Overblog Tous les blogs Top blogs Lifestyle
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU

الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma

Publicité

عروسُ المطر

• فتيحـة أعـرور

تنغيــر

إلى روح جدي الأكبر
الشهيد محمد أورحُّـو أعـرور
سقط شهيداً ذات يوم.. ذات سنة.. ذات تاريخ..

جالت بعينيها في أرجاء القرية، بصرها ما عاد يسعفها في تبين ملامح العابرين، حتى أحفادها لم تعد تميز بينهم، نهضت بخطى متثاقلة نحو الربوة، يد خلف ظهرها والأخرى تمسك بعكازها أو "رجلها الثالثة"، تسميه كذلك نكاية بنفسها تارة وسخرية من القدر أخرى!
ينتابها إحساس بالانتماء إلى عالم لا تربطها به أي صلة.
- تباً.. كل شيء تغير!
تجد متعة لا توصف لما تقصد "قِبلة الحب"، هكذا يحلو لحفيداتها وصف المقبرة مازحات:
- جدتي ذاهبة إلى "قبلة الحب"!
- تعتقدين أنها ماتزال تحب جدي فعلاً؟
- وكيف تفسرين ارتباطها بذلك العالم أكثر من اهتمامها بأمرنا؟!
بدت غارقة في الحزن وهي تجلس عند قبر زوج رحل عن هذا العالم منذ نصف قرن تقريباً، استرسلت في الشكوى تخاطبه كما لو كان حياً يرزق، أخبرته أن زوجة أكبر أبنائه لم تعد تجد حرجاً في ملاججتها، وأنها أصبحت تنعتها بالخرف!
قالت أيضاً إن كنتها الأخرى رحلت عن البيت الكبير منذ مدة بعدما خيرت زوجها بين الطلاق والإقامة مع ذويه، بدعوى أن الحياة وسط هذا الجيش العرمرم لم تعد تطاق!
- آه يا "إيـدَّرْ" كم أصبحت حياتي رتيبة، أترك فراشي مع آذان الفجر، أتوضأ وأصلي وأبقى متسمرة في مكاني لساعات في انتظار استيقاظهم حتى أتناول إفطاري، قوتي خانتني.. لم أعد أقوى على إعداد "براد شاي" حتى!
توجهت إلى البئر كي تجلب الماء، ساعدتها إحدى فتيات القرية في نقل الدلو إلى المقبرة، لما عادت وجدت عنزة تنط فوق قبر زوجها، صبت عليها جام غضبها وهي تهم بطردها، رشت الماء بعناية على "أرواح" الموتى كما تفرض العادة، ثم جلست مستسلمة لحنين أخذها إلى الأيام الخوالي..
صادفته ذات مساء عند سفح الجبل، لما بدأت الشمس تميل نحو المغيب، تناهى إليه صوت نحيبها، سألها عن سبب حزنها لتخبره أن شاة تاهت عن القطيع منذ الظهيرة ولم تعثر عليها، قالت له أيضاً إنها تخشى عقاب زوجة أبيها التي لا تتوانى في الانتقام منها لأتفه الأسباب.
هدأ من روعها ووعدها بأنه سيعثر على ضالتها كي تعود قبل أن يسدل الليل ستاره، غاب ردحاً من الزمن ثم رجع بالشاة التي وجدها عند الغدير، رافقها إلى أن بلغت مشارف القرية، ودعها واختفى بين أشجار الغابة.
من حينها لم تنس طيفه، هجرها النوم ليال عدة، تمنت لو تراه ثانية.. لو تضيع منها الشاة مرة أخرى ليظهر كنبي الخلاص!
مضت سنة بتمامها ليأتي فجأة وبلا سابق موعد، كانت ملامحه بدأت تتلاشى في مخيلتها مثل سحابة صيف، شاب قوي البنية لفحت الشمس وجهه.. يعدل من وضع بندقية على كتفه، ثم يقف بكبرياء غير بعيد من النبع حيث كانت منشغلة بملأ القرب.
- صباح الخير..
قــــال
التفتت إليه غير مصدقة، حاولت أن تخفي فرحة تكاد تنط من عينيها، ارتبكت فسقط الدلو من يديها.
- فأل حسن!
- لــم؟!
- لقد اندلق الماء من يديك في حضرة رجل..
ابتسمت ثم سألته:
- ماذا يعني ذلك؟
- اسألي نساء القرية عن حكاية المطر والإلهة "تنِّيت"!
- لا أعرف عنها شيئاً..
- "تنِّيت" هي إلهة الخصب في معتقدات أجدادنا، تحكي الأسطورة أنها كانت تعشق ابن كبير إحدى القبائل حد الجنون، غير أن كبير الآلهة مذ رآها في أصيل ذات يوم تسبح عارية في البحيرة، هام حباً بها فطلب يدها للزواج، ولما أعرضت عنه، منع نزول المطر انتقاماً، قصد سكان القرية "تنِّيت" يتوسلونها لتقبل به زوجاً حتى يزول غضبه، وكان أن ضحت بحبها ووافقت على الزواج، سقطت الأمطار في تلك السنة غزيرة على نحو غير مسبوق، منذ ذاك الحين أصبح اندلاق آنية الماء من أيدي العذارى رمزاً للحب ووعداً بالزواج.
طأطأت رأسها خجلة، بقي يتأملها وهي تعبئ القرب المعد من جلد الماعز.. بدت له أكثر نضجاً وجمالاً من المرة السابقة، ناولته الماء ليروي عطشه ثم قال مازحاً:
- ألم تضع منك الشاة مرة أخرى؟!
- صرت أكثر حذراً من ذي قبل!
تحسس بندقيته، أمسك بزنادها ومضى نحو الغابة، ودعها تاركاً مائة سؤال معلق في رأسها، فكرت في أنه صياد مهووس بملاحقة الوحيش بين الأشجار!
في الغد جاءت في الموعد نفسه، توقعت أن تلتقيه عند النبع، انتظرت غير قليل من الوقت لتعود خائبة.
لم يكن الشاب الذي يظهر ويختفي مخلفاً وراءه أسئلة الارتباك والحيرة، سوى واحداً من المقاتلين في صفوف حرب العصابات أو"إيغوَّاغن" كما يسميهم الأهالي، ففي الغابة المجاورة لقريتها، كان المحاربون يجرون التدريبات العسكرية ويعدون خطط الهجوم، ليقطعوا إثر ذلك عشرات الكيلومترات حتى ينفذوا الضربات الخاطفة ضد العدو، ثم يقفلوا عائدين من حيث أتوا.
كغيره من المقاتلين، كان قد قطع على نفسه وعداً بألا يفكر في شيء آخر غير تحرير الأرض التي استباحها الطارئون، إلا أن ظهورها في حياته غير أشياء كثيرة، هو الذي عرفه رفاقه كتوماً لا يتحدث إلا في أمور الحرب وأساليب القتال.
قال محدثاً أحد رفاقه:
- "تُـودا" تشبه عروس المطر، ليتك تراها يا رفيقي!
- احذر أن يسمعك قائد المعسكر، سيعتبر ذلك ضعفاً، هنا امرأتك هي القضية التي جئت لأجلها، هل فهمت؟!
لاذ بالصمت وانهمك في تعبئة بندقيته بالبارود استعداداً لعملية تقرر أن ينفذها رفقة عدد من رفاقه.
كان يرغب في البقاء محارباً، لكنه ود لو كان بوسعه اصطحاب "تودا" معه، إن تزوج منها، إلا أن الأمر غير مقبول البتة في قوانين المعسكر.
مضت شهور عديدة دون أن يرى فيها أهله، في إحدى المرات عاد رفيق له من زيارة قريته حاملاً معه خبراً قلب كيانه رأساً على عقب.
- "إيـدَّر".. يؤسفني أن أخبرك أن والدك.. رحمة الله عليه.
انزوى في ركن خيمته حيث فاجأه قائد المعسكر يبكي:
- النحيب للنساء، محارب شجاع مثلك لا ينبغي له أن يضعف مهما كان السبب!
- مات والدي دون أن أحضر دفنه حتى!
- أفهمك، لكن عليك تمالك نفسك، لا يجب أن يراك الرفاق تبكي..
فكر في أمه وإخوته الذين ما يزالون بعد صغاراً، قضى ثلاثة ليال متواصلة دون أن يغمض له جفن، يضرب الأخماس في الأسداس، يقلَّب عشرات الحلول في رأسه، ليقرر في نهاية الأمر المغادرة والعودة إلى قريته.
لم يمانع قائد المعسكر في رحيله بعدما حدثه عن ظروف أسرته، ومع أنه كان على يقين بأنه يفقد واحداً من أقوى وأشجع رجاله، فقد رأى أن وجوده في قريته كفيل بأن يحل مشكلته، ويساعد المقاتلين في أمور كثيرة.
تململت العجوز في مكانها لتسأل رفيقها الغارق في صمته الأزلي:
- أتذكر يا "إيـدَّر" كم كنت حزيناً لما جئت للقائي ذلك اليوم عند سفح الجبل؟ لم أعرف حينها ما إذا كان علي الفرح أو البكاء، كان قد مضى على وفاة والدك خمسة أشهر.. كنت شارداً قليل الكلام، بقيت صامتاً للحظات طويلة قبل أن تفاجئني برغبتك في الزواج مني!
حاولت تمالك نفسها وهي تمنع دمعة ساخنة من الانسياب في تعاريج خدها، ثم عادت لتمخر عباب زمن أفل إلى غير رجعة..
استقراره في القرية بعد زواجه وإنجابه ثلاثة أطفال، لم يحل دون تأمينه الدعم اللازم لرفاقه في المعسكر، كانت تصله بين الفينة والأخرى رسائل من زعيم المقاتلين، يأمره فيها بتيسير تنفيذ خطة ما أو إرسال المؤونة، لذلك شعر بأن دوره الجديد لا يقل أهميته عن وجوده في الجبل.
مساء ذات يوم جاء أحد رفاقه ليخبره أن جيوش الفرنسيين قريبة من القرية، وأن عليه تدبر الأمر قبل الاستيلاء عليها وإذلال أهلها، دعا إلى اجتماع طارئ لحشد عزيمة الشباب وبت الحماسة في أنفسهم لمواجهة الغزاة، زودهم بكل النصائح التي يحتاج إليها المحارب في قلب المعركة.
عاد إلى البيت مع إطلالة الفجر، كانت زوجته وأمه في انتظاره، لم تناما الليل بطوله بعدما بلغهما نبأ دنو العدو، أخبرهما بأن يوم الغد سيشهد معركة شرسة، وأن عليهما الاستعداد للمغادرة باتجاه الغابة رفقة باقي الأهالي من النساء والأطفال والشيوخ.
في أرجاء البيت خيمت أجواء حزن قاتم، كان "إيـدّر"قد هيأ العدة وعبأ بندقيته بالبارود، ولما تأهب للمغادرة خاطب زوجته وأمه قائلاً:
- أدُورْ تْرُوياث، ثَـاقْـرْطَـاسْتْ گُـقرُّو، تُوفْ أذِگِـي يْنْـبضْن إيـرومين!
(لا تبكيا، رصاصة في الرأس، أشرف لي من أن يُذلني النصارى!)
زحف الأهالي من المقاتلين الأشداء باتجاه جحافل العدو، خاضوا معركة ضارية ببنادقهم البسيطة، بعد ساعتين صاح أحد أبناء القرية وسط صوت ورائحة البارود:
- "إيدَّر" أصيب، "إيدَّر" أصيب..
حمله بين ذراعيه مبتعداً عن ساحة القتال، كان دمه ينزف غزيراً بعدما اخترقت صدره رصاصة لم تخطئ هدفها، لسانه لم يسعفه في قول أكثر من جملة لفظها ثم أسلم الروح:
- لم أمت يا "تُـودا" !
بكت العجوز بحرقة لما وصلت عند نهاية الحكاية، سحبت عكازها ثم مضت في متاهة أيام ما عادت تعنيها في شيء..

(تنغيــر 2005

Publicité
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article