الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma

الدار البيضاء - نبيل منصر الحياة - 28/10/06//
صدر للروائي المغربي يوسف فاضل - وهو مسرحي وسيناريست أيضاً - عن منشورات «الفنك – 2006» رواية جديدة بعنوان «ميترو محال». وهي رواية جاءت بعد حضور روائي مميز توَّجه الكاتب بالحصول على جائزة الأطلس الكبير (2001) عن روايته «حشيش» الصادرة عن الدار نفسها. وبذلك حفر يوسف فاضل اسمه في مدونة الرواية المغربية، كواحد من بين أهم روائيي جيل ما بعد التأسيس، إلى جانب بنسالم حميش والميلودي شغموم وعبدالقادر الشاوي وعزالدين التازي وأحمد التوفيق وبهاء الدين الطود، الجيل الذي تميز بوعيه الروائي التجريبي القائم على توظيف الباروديا والمحكي الشعبي واستلهام التاريخ والفانتاستيك والتخييل الذاتي، وغيرها من العناصر التي جعلت من سؤال الكتابة سؤالاً روائياً قائماً على استدعاء مختلف للواقع ورؤية مغايرة للحكي والصوغ الروائي.
رواية «ميترو محال» هي رواية الشخصية التي من خلال استدعاء محكي حياتها يكشف عن تناقضات مرحلة بكاملها من عمر المغرب الحديث، هي مرحلة ما بعد الاستقلال. فميترو محال هو اللقب الشعبي الساخر الذي اشتهر به موحى بسبب قصر قامته الشديد الذي يجعل منه قزماً. وهو وحيد والده، ابن مدينة تنغير، الناشط السابق في جيش التحرير، الذي كان يرى في توقف نمو ابنه وانحسار نسله بعده، هزيمة أخرى تضاف إلى هزائمه الكثيرة. وأمام الأحساس بالخذلان يختفي حمو «بأسلحته وأحلامه المضببة»، وتعود زوجته الى بيت أهلها في الجبل، فيما يرحل ميترو محال الى الدار البيضاء.
في فضاء الدار البيضاء، تتقاطع مصائر وتتضارب مصالح وتتصلب قناعات، ويصبح الحصول على لقمة العيش وبناء التوازن المنشود وتحقيق الذات وكسب ثقة المرأة أو الرجل خاضعة للمزاج ولتقلبات الواقع وصرامة انقطاعاته ومفاجآته التي لا يمكن التنبؤ بها. وسيكون ميترو محال، بضآلته وقلة شأنه، ريشة تتقاذفها الرياح وتتلاعب بها المصالح، من دون أن ينعم أبداً بذلك التوازن الذي يعيد له إنسانيته المهدورة.
اشتغل ميترو محال، في البداية، نادلاً في مقهى حسن الذي ينتعش بزبائن جدد، وجدوا أخيراً تسليتهم اليومية في شخص قصير القامة. وهناك يتعرف ميترو محال على المهدي، الشيوعي الذي كان يعمل في مصنع الحليب قبل أن يتفرغ للتأليف، فكان لا ينقطع عن انهماكاته التنظيرية الوهمية الا عند استقباله نعيمة، المرأة التي وجدت في خطابه الإنساني مشروعاً عائلياً مغرياً. لذلك كانت تسلمه جسدها على رغم إحساسها بالإهمال والازدراء بعيد كل اتصال جنسي.
استقر ميترو محال في بيت المهدي، ومكّنه من استعمال ملابسه وأغراضه، بعدما رأى فيه مشروعاً شيوعياً لم يكن يعرف، مع ذلك، كيف يجعله يتفاعل مع حماسته الحمراء. لكن المهدي سرعان ما يختفي فجأة، تاركاً نعيمة تتجرع أحلامها الخائبة.
غادر ميترو محال المقهى، وظل يستقبل نعيمة في بيت المهدي، وكان يمزج مواساتها بخيوط رهيفة من شباك رغباته الدفينة في الاستيلاء عليها، والتحرر من عزوبيته والهذر المتواصل لرجولته الناقصة. وهي في المقابل كانت تجد في تعلق هذا «المخلوق الغريب» بها ثأراً من كل إخفاقاتها القديمة والحديثة، لكنها سرعان ما تختفي بدورها لتجعل من مشروعه، في البحث عن الذات والعائلة والعمل والارتواء، عرضة للانهيار. ويتعود ميترو محال على إخفاقاته، بل سيتعلم، مع الأيام، كيف ينسج منها خيوطاً رهيفة من المؤامرات الصغيرة التي تجعل سقوطه أقل إيذاء وتكلفة.
لا تستوي الكتابة في الرواية على مسطح واحد، وهي لا ترصد مسار حياة ميترو محال إلا لتجعل من حكايته الشخصية نقطة تجاذب تتخللها محكيات وتتقاطع معها مصائر وحيوات، تكشف عن توتر الرؤى والطموحات والخيبات في مغرب ما بعد الاستقلال. ولا ينبثق الرومانيسك فقط من دينامية الحدث وإنما يتأسس أيضاً على دينامية الفضاء، ويشكل المعرض الدولي في الدار البيضاء ذلك الفضاء الكرنفالي الذي تستشري فيه الحشود وتتداخل فيه أصوات الكائنات بأصوات الآلات، وتنفتح فيه إمكانات للصداقة بحيث يتعرف ميترو محال الى فاطمة، النادلة في مقهى المعرض، لينسج معها مغامرة حب تقوده الى اكتشاف طعم القبلة للمرة الأولى في عتمة السينما. وبحافز من هذه العلاقة يلتحق ميترو محال، من خلال وساطة عمه بوزيد بالمدرسة العسكرية، وسرعان ما تزداد قامته بضعة سنتمترات رمزية بفعل أثر البدلة الرسمية، على رغم انقياده إلى ممارسة دور المهرج لدى الكولونيل. غير أن هذه البدلة ستخيب ظنه مع ذلك، ولن تشفع له عند نساء «البورديل» ولا عند فاطمة التي أجمعت عائلتها على رفض خطبته. وبذلك يستمر جسده في الوقوف حاجزاً أمام تحقق أحلامه ومتعه. وما لبث قدره الأعمى أن قاده إلى المشاركة في الهجوم على القصر الملكي، وهذه المرة لن ينقذه من طيش الرصاص إلا جسده الضئيل، الذي سمح له بالتكور تحت إحدى الموائد والتمتع الوجل بمشهد تقاتل الجنود والجنرالات على أنقاض وليمة القصر.
بعد تجربة الاعتقال، تقود المصادفة والفشل بعض العلاقات المنقطعة سابقاً إلى الاستئناف. ويلتقي ميترو محال، في مناسبة أول أيار (مايو)، بنعيمة من جديد، ويتزوجها بسهولة ويحاول تملك نحافتها السابقة من خلال صورها التي ملأ بها البيت. ويتوسط له عمه أيضاً عند الحاج المدور (برلماني سابق وأحد سماسرة الانتخابات) الذي يقبل به سائقاً ومسلياً لابنته المدمنة والكئيبة. أبدى ميترو محال تعلقاً مصطنعاً بعتيقة، وأوشك على الزواج منها لولا حادث انتحارها الذي جعله يفقد وظيفته. تتعقد حياة ميترو محال أكثر بعد العودة المفاجئة للمهدي، الذي تحول متطرفاً دينياً. استعاد المهدي بيته واسترجع نعيمة واستعدى على ميترو محال الجيران، وسمح للطلبة المتطرفين باختطافه وممارسة ساديتهم عليه.
وإذا كانت الرواية تبتدىء بمشهد «صورة العائلة»، الصورة الفوتوغرافية التي تعود إلى 1956 (سنة استقلال المغرب) والتي ينطلق منها السرد في بناء الخلفيات وملاحقة المصائر، فإنها تنتهي بمشهد اكتشاف ميترو محال المفاجئ لموت الوالد عند عودته الى تنغير. وبذلك تنتهي مرحلة من التمرد المتواصل قادت حمو بعد الاستقلال إلى التمترس بالخلاء وإعلان العصيان على النظام، وموسيقى موريس رافيل التي كانت تصاحبه في كل لحظات اليأس، هي التي ستؤبنه في رحلته الأخيرة نحو القبر.
وعلى رغم واقعية شخصية ميترو محال والدماء الحارة التي تتدفق في شرايينها على امتداد صفحات الرواية (222 ص)، فإن كثافة حضورها الرمزي تجعلنا لا نغفل طابعها الأليغوري، فتشوه الخلقة الذي زرع الرعب في نفسية الوالد، يرمز، في النهاية، إلى تشوه الاستقلال الذي حارب حمو لأجل تحقيقه، والذي لم يتكشف، بعد كل تضحيات الشرفاء، إلا عن مخلوق بائس يتعثر في شرنقات تشوهات الولادة. وما نزول ميترو محال للاغتسال في النهر، عند نهاية مشهد الدفن، إلا محاولة يائسة للتطهر والتجدد ما دام التشوه يقبع في مكان ما في الداخل، لذلك لم يمنحه الماء إلا ذلك القدر من «الشفقة الطيبة على نفسه وعلى والده الذي مات من دون أن يرى موته».