المعتقلات السرية وجبر الضرر الجماعي وحفظ الذاكرة
-ورزازات نموذجا-
ذ مصطـفــى بــوهـــو
مدخل
ارتبط وجود المعتقلات السرية في المغرب بكل مظاهر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما عرفتها المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بالرباط في نونبر2001، استنادا إلى الآليات الدولية والتجارب العالمية، والتي نتجت عن فعل الدولة أو الأشخاص أو المجموعات العاملة لفائدتها، وهي التالية: الاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي وسوء المعاملة، وضمنها المتعلقة بظروف احتجاز أسوأ.. مما يثير حركات احتجاج الضحايا على مثل تلك المعاملة وتلك الظروف، عميقة...؛ والمحاكمات غير العادلة، القتل والتعذيب المفضي إلى الموت، أو المتسبب في أضرار وعاهات جسدية ونفسية، والإعدام خارج نطاق القانون، والنفي الاضطراري أو الاختياري.. نتيجة لكل ذلك، أو تحسبا واتقاء له، والإبعاد القسري والترحيل والحصار وسلب الأموال ونزع الممتلكات أو إتلافها، والانتقام من ذوي قربى الضحايا، بل وحتى من الساكنة المقيمة أو المنحدرة من بعض المناطق...؛
وهي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بكل المقاييس، شهدها المغرب على امتداد سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات- المعروفة مغربيا ب: سنوات الرصاص والجمر والنار؛ وقد استمرت الكثير من تلك الانتهاكات في الثمانينيات والتسعينيات، وكانت تلك الانتهاكات الجسيمة لكل حقوق الإنسان، موجهة بشكل منهجي أساسا، من قبل النظام السياسي القائم بالمغرب ضد المعارضة السياسية منذ ما يسمى بالاستقلال، خصوصا منها التي كانت ولازالت تناضل من أجل التحرر، وإقامة ديمقراطية حقيقية تكون فيها السيادة للشعب المغربي، ومن شأنها ضمان وحماية حقه في تقرير مصيره السياسي والمدني، والاقتصادي والاجتماعي والثقافي...
فيما استمرت في بدايات الألفية الثالثة.. ضد حقوقيين ؛ وصحراويين وصحفيين، وبعض التيارات الإسلامية عموما، أو ما يتهم منها بالإرهاب خصوصا... وذلك بتوجيهات من الولايات المتحدة الأمريكية، إثر ما أسمته حربها من أجل تجفيف منابع الإرهاب في العالم، بعد أحداث 11 سبتمبر2001، ثم بتعليمات من قبل الأجهزة النافدة والتنفيذية في النظام المغربي، بعد أحداث: 16 ماي2003 بالدار البيضاء و11مارس2004 بإسبانيا... ولندن2005؛
تلك الأحداث التي كانت وراء تعجيل المؤسسات الدستورية، من: مجلس وزاري، وحكومة، وبرلمان؛ بإصدار قوانين خطيرة وتراجعية مثل: قانون مكافحة الإرهاب، وتعديلات المسطرة الجنائية، والقانون الجنائي، وقانون الهجرة... وعقد اتفاقيات مع عدة دول، بشكل ثنائي أو متعدد الأطراف لمكافحة الإرهاب تبعا لذلك ولغيره... أخطرها تلك التي انعقدت مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تكرس التبعية الحقيقية في درجاتها القصوى للدوائر الامبريالية والعولمية في مجال التعاون الأمني والاستخباراتي عبر القارات، إذ صارت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تمارس في معتقلات سرية بالمغرب بالوكالة..
المعتقلات السرية بورزازات
تبعا لما سبق أحدثت معتقلات سرية مشهورة بإقليم ورزازات، وفي عهد لازال فيه نفوذ العمالة يشمل إقليم زاكورة الحالي، وذلك إما في قصبات أو قصور بنيت من قبل ذوي الجاه والسلطان في القرون الماضية، كما في: أكدز- وتاكونيت- وأيت بنحدو (تمداغت)- وسكورة- أو تم إحداثها خصيصا لهذا الغرض كما الشأن بقلعة مكونة، وسد المنصور الذهبي.
وارتبطت تلك النكاية بالإقليم ضمن أقاليم أخرى في المغرب الحبيب، بسياسة العهد الاستعماري بشأن: المغرب غير النافع، سوى للتأديب والتعذيب، وكل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المذكورة أعلاه، والتي كان لها الضرر البالغ على البلاد والعباد طوال عقود من الدهر، ولازال:
فقد كان الكذب الذي كان يشاع حول الضحايا، الذين كانت صرخاتهم تسمع في بعض تلك المعتقلات بادعاء كونهم أعداء الله والملك والوطن، من أجل تأليب الرأي المحلي فضلا عن جلاديهم ضدهم من جهة، وترويع الناس وتخويفهم من مجرد الاقتراب من تلك المعتقلات السرية من جهة أخرى، فأحرى الاحتجاج ضدها الذي لم يكن يوما ما يتصور لدى المناضلين بالإقليم؛
خصوصا بعد ما شهده الإقليم من مقاومة شرسة ضد المستعمر في جبال بوكافر وغيرها من جهة، وضد النظام السائد بعد الاستقلال الشكلي من جهة أخرى، فيما كان يسمى بأحداث مولاي بوعزة 1973/03/03، التي انطلقت شرارتها الأولى بتنغير، وكانت ضمن الأسباب العميقة لسياسة الانتقام الممارسة ضد الإقليم كله وبث الفتنة فيه من قبل أعوان الداخلية بمناسبة وبدون مناسبة، مغتنمين فرص الصراعات حول الأراضي الجماعية، والصراعات الانتخابية بالأساس؛
لذلك اعتبرت القافلتين والوقفتين اللتين التف حولهما الناس المحليون أمام المعتقلين السريين بكل من قلعة مكونة وأكدز، فتحا حقيقيا لهذه المناطق:
فقد نظمت الأولى من قبل هيئة متابعة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تحت شعار:" حتى تستعيد قلعة مكونة ورودها"، مساء يوم 01-02 يونيو2002، وضمت زهاء200 شخصية، تنتمي إلى فعاليات سياسية، ومدنية، وحقوقية، ونقابية، وثقافية فنية، وهي الوقفة التي تم خلالها توقيع اتفاقية بين أطراف هيئة المتابعة الثلاثة، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، في شأن العمل المشترك في مجال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب،
فيما نظمت الثانية من قبل المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف سنة2003 ضمن مسار سيرورة تنظيمه وقفات رمزية أمام المعتقلات السرية الرهيبة ب: تازمامارت، ودرب مولاي الشريف، ودار المقري، وفكيك، وأكادير، والريف، وخنيفرة...،
كما كان للسياسة المذكورة الضرر البالغ أيضا في نفوس الناس بإقليم ورزازات، وعقولهم وسلوكهم، وثقافتهم المحلية، وأحلامهم، وتصريف الدولة الفقر والحرمان عبر الجماعات المحلية، القروية منها والحضرية، بكل من إقليمي ورزازات وزاكورة، إذ حرمت الساكنة من أغلب ضروريات العيش الكريم، ودون الدخول في التفاصيل، في مجالات:
الصناعة، والتجارة، والخدمات، والصناعة التقليدية، والتعليم، والصحة، والسكن اللائق، والنقل، وتعبيد الطرق بالمراكز الحضرية وخارجها، والبريد والاتصالات، والثقافة، والترفيه... في خرق سافر للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الملزم للمغرب منذ تصديقه عليه سنة1979، والذي يخول لبني البشر التصرف الحر بالثروات والموارد الطبيعية المحلية، كالمعادن، والسياحة، والسينما، ولا يجوز في أية حال حرمانهم من أسباب عيشهم الخاصة؛
كما لحق الضرر حقوق الناس بالإقليم المدنية والسياسية في خرق سافر أيضا للمنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالموضوع، والملزم للمغرب منذ تصديقه عليه أيضا سنة1979، في مجالات:
ü المشاركة السياسية التي عرفت أقصى درجات تزوير الإرادة الشعبية، حيث سياسة غض الطرف، بل تشجيع: انتشار نفوذ السلطة والمال على نطاق واسع عبر أعيان القبائل على الخصوص... من أجل نيل أصوات المواطنين لصالح الأحزاب الإدارية باستمرار، باعتبارها "البارشوك" الحامي للسياسات العامة للدولة بالإقليمين منذ الاستقلال إلى الآن.
ü الحق في تقلد المناصب العمومية خصوصا منها الوظائف السامية: المدنية منها والعسكرية، فقط بحكم انتمائهم إلى المناطق التأديبية في عرف السلطات العليا، وفي تمييز سافر ممارس ضدهم عن باقي المواطنين في باقي المدن المغربية، خصوصا في مدن الوسط،
ü المحاكمة العادلة، حيث إن انتشار الرشوة فيما بين القضاة كان ومايزال أمرا مفروغا منه، بل ولا حرج لدى القضاة المرتشين، سواء بالنسبة للقضاء الجالس أو الواقف، من طلبها عبر الشبكات واللوبيات المتخصصة؛ بحكم أن أغلب القضاة الذين يعينون بالإقليم، إما أنهم منقلون تأديبيا إلى الإقليم، وبالتالي لا شأن لهم لا بالتشريع ولا بالفقه ولا بالاجتهاد... ، أو أنهم حديثو العهد بالمهنة مما ينعكس سلبا على أهليتهم لممارستها بكل نزاهة وجرأة وتجرد...
ü الحق في التمتع بالحريات العامة، خصوصا منها المتعلقة بالتضييق، أو حجب، أو منع:
- تأسيس أو تجديد بعض الجمعيات بعدم تسليم وصولات الإيداع القانوني،
- عقد بعض أنشطتها، خصوصا إذا ما اختلفت عن السياسة العامة للدولة ورأيها؛
- التظاهر السلمي والتجمعات العمومية؛
- استغلال القاعات العمومية...
جبر الضرر الجماعي بإقليمي ورزازات وزاكورة
استنادا إلى المرجعية الدولية وقواعد العدالة الانتقالية، وخصوصا وثيقة المبادئ العامة والمبادئ التوجيهية الأساسية المتعلقة بحق ضرر ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الانتصاف والجبر،رقمE/CN.4/2005/L.48 ، المؤرخة في13 أبريل2005، والمعتمدة من قبل لجنة حقوق الإنسان في دورتها61، والمصاغة من قبل الخبيرين المستقلين شريف بسيوني، وثيو فان بوفن؛
فإننا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وفي سياق تأكيدنا على إحساسنا القوي والعميق بمواطنتنا، لا نفصل بين ضرورة جبر الدولة، بما هي مسؤولة عما ارتكبته من انتهاكات جسيمة، الضرر الجماعي والضرر الفردي، باعتبار ارتباطهما الجدلي، بل إن الأولوية الحقيقية لجبر الضرر، إنما هي للمتضرر المباشر في شخض الضحايا وعائلاتهم، وهو ما يمكن اعتباره جبرا للضرر الفردي، مع الأخذ بعين الاعتبار البدء بكشف الحقيقة الشاملة، مرورا بمساءلة المسؤولين، وانتهاء بالإجراءات الضروري اتخاذها من أجل ضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ وبعد ذلك وعبره، جبر ضرر المتضرر بشكل غير مباشر في شخص المجتمع، والأقاليم والمناطق، وهو ما يمكن اعتباره جبرا للضرر الجماعي؛
فسعيا وراء المصالحة الحقيقية، طبقا لقواعد العدالة الانتقالية، كما أشار إليها مارك فريدمان رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية محللا المصطلح، قائلا: "المصالحة: كلمة تستعمل في الغالب، من طرف المسؤولين وليس الضحايا، حيث تتم المطالبة بالمصالحة بدل المحاسبة، وبطريقة تهكمية أحيانا، وهذا ما تم في الواقع في بعض التجارب.
أما إذا تم الحديث عن المصالحة بطريقة جدية بين فردين: أي بين الضحية، والمسؤول عن ممارسة الانتهاك، ففي هذه الحالة يمكن الحديث عن مصالحة ذات معنى...
والمصالحة تفترض أنه كان هناك صلح في الماضي بين الطرفين، ولذلك فإن الصلح يكون في الغالب هو المصطلح المناسب مقارنة بالمصالحة... التي تكتسي بعدا آخر، يتمثل في كونها مستمرة في حياة الأمم والأفراد، أو يجب أن تكون كذلك، فهي سيرورة دائمة لا تتوقف.
ومن مقوماتها الأساسية برأيه، بما هي آليات للعدالة الانتقالية:
أولا، المحاكمات أو المتابعة القضائية، التي تعتبر مدخلا ضروريا للمصالحة، وتمنح المصداقية للإجراءات المتخذة داخليا، والحيلولة دون تكرار ما سبق، بمعنى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنزال العقوبات في حقهم؛
ثانيا، الكشف عن الحقيقة؛
ثالثا، جبر الضرر بمعناه الشامل، الذي يشمل التعويض وإعادة الممتلكات، وتقديم الاعتذار، وتأهيل الضحايا، وحفظ الذاكرة، والحداد، والكشف عن المدافن؛
رابعا، الإصلاحات القضائية، بما تعنيه من إبعاد المسؤولين النافذين عن مناصبهم الأمنية والسياسية، وتعديل الدستور، وإحداث مؤسسات للحيلولة دون تكرار ما سبق.
وطبعا في إطار سيرورة تثبيت التشبث الوحدوي للحركة الحقوقية المغربية بمطالبها المتعلقة أساسا: بالمعالجة الشاملة والعادلة والمنصفة لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، في ارتباط جدلي بين عناصر هذه المعالجة:
ü كشف حقيقتها الشاملة، بعد إنكار وجود هذه الانتهاكات دهرا من الزمن - وبكل صفاقة، إذ لا يمكن أن ننسى إنكار وجود معتقل اسمه تزمامارت، واعتبار قلعة مكونة قلعة للورود ليس إلا؛ واقتصار الحقائق التي تم كشفها لحد الآن على ما هو جزئي، وبتملص سافر للمسؤولين عن الانتهاكات، بمد هيئة الإنصاف والمصالحة بالمعطيات والوثائق، وكل ما يفيد كشف الحقيقة الشاملة، خصوصا عن الستة والستين ملفا الساخنة التي تم تأجيل البحث والبث في شأنها إلى ما لا ندري، طبعا لغياب الطابع الإلزامي لأوامر وطلبات الهيئة طبقا للقوانين التي أحدثت بمقتضاها؛
ü مساءلة المسؤولين عنها، وعدم إفلاتهم من العقاب- لمن ثبتت إدانته، من قبل مسؤولين لازال بعضهم يحتفظون بمناصبهم العليا في سلك الوظيفة العمومية، بل وفي مراكز قرار حساسة في الدولة، سعيا لإقرار طرح: "عفا الله عما سلف"، وتوخيا لعدم الدخول في مسلسل يكون من شأنه عند نهايته، إدانة سياسة الاستبداد والقمع والطغيان التي مارسها ولا زال يمارسها النظام السياسي بالمغر