الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma
زايد جرو، تنغير
… بدت المدينة رابضة في العياء والاجترار… الليل يعلو والأشياء تتتابع… الأشجار مرتجفة ومرتعدة، التاريخ مظلم وطويل، لا ترى غير خطى وئيدة تحت أجنحة متكسرة من عالم ترهل وشاخ، لم يستطع مغالبة البؤس الأبدي وعجز السنين، ففرت الشهور القريبة والبعيدة وتعرى الصمت وماتت كل المعاني العميقة ولم ينته الوجع… انغمر أحمد في مشاهدة صور تآكلات ألوانها بالتأمل ليحيي أشياء راحلة أخطأت موعدها بداخله، فلزم الغرفة شهورا عديدة، شعر بالخارج تافها بلا جدوى، عدوانيا ولا مباليا، وكلما خرج يعود منهكا مريضا… البطالة والعطالة في كل شيء… السياح انقطعت أخبارهم، لم يعد يجديه الوقوف تحت الأعمدة أو بجانب العلامات الطرقية، ولا حتى الوقوف بجانب الأجساد الممتدة التي طالها النسيان في قبورها…
قاوم القهر بصلابة، ورقاداً تجمع على الجسد بعد أن كافح نصف الحياة… اختار أحمد أن يكون مشلولا في عزلته وأن يكون قويا في المصطلحات الأجنبية، لحل كل إشكالات السياح والمتجولين، رفض أن يرى نفسه تتفتت أو تضمر لكونه عمل منذ أن تعلم التحكم في لجام الحصان… منذ استطاعت يداه أن تحمل أي شيء…
أثبت ذاته للضعيف، والمعوق والسليم للقريب والبعيد، فتمسك بالدمعة اليتيمة، فتسلل خارجا يسترق السمع ولم يقبض إلا على ومضات جائعة، فأحرق ما تبقى من أمله تحت جدران وجبال احمرت جفون عيونها بكاء… تسلل من جديد نحو الخارج ولم يعد يملك حبة واحدة، لا من الزمن ولا من العدم، فصار ينزف ديدانا وثعالبَ وغربانا، خانته عضلات وجهه في الضحك، فلم يغالب البؤس، ولا الأحلام الصغيرة جداً، جداً، تنتابه أحلام أقرانه الذين استطاعوا الفوز بغجريات شقراوات صغيرات، كبيرات، جميلات، ذميمات.. المهم ركوب عود البحر والعودة على مركب جديد…
أغرق في التأمل فتصاعد بخار دمعه ولم يسمع غير قدره يقرع الأبواب، لقد غاب النشيد بباب المدينة وانطفأ كل شيء،… فصار أحمد يعصر من الألم شرابا وصحا على واقع أنهك الحي والميت… طارده الزمن بخطى وئيدة حتى صار إلى مفترق الطرق الكبيرة والصغيرة، فمد بتثاقل يده، وحرك أصابعه، فتوقفت سيارة أجرة بلونها الترابي وركب مع الراكبين وترك الزمن لهدير المحرك يغزو آذانه… بدا لأحمد من النظرة الأولى أنه لم يسبق له رأى أحد الركاب باستثناء السائق الذي يقضي بياض نهاره ذهابا وإيابا في هذا السبيل الذي يربط نصف البلاد بالمدينة… لقد تبين له أن الركاب غرباء عن المنطقة عندما طلب أحدهم من السائق التوقف وهو في بطن الجبال لالتقاط صورة تذكارية لبنايات متآكلة ظنها السائح موطنا للبوم وجحوراً للجرذان وفضاءً للغربان والعقبان… واصل السائق سفره تحت لهب شمس تشوي الأجساد… ضحك أحمد ملء شدقيه وبنشوة لا تقاس لكون جسده لا يتصبب عرقا كالآخرين نسي المسكين ودون أن يخطر بباله أن جسمه قد تبخر ماؤه بطعامه الخشن. فكر مليا أن يظهر بطولته للراكبين ولو بالافتراء لكنه تراجع خوف اكتشاف أمره… المناظر كلها عادية ومألوفة.. واصل متابعة حركات الركاب الذين يحركون رؤوسهم تارة ذات اليمين وتارة ذات اليسار، حيث العلامات المتعددة للمقاهي والفنادق، فهذا مطعم السمك المقدس… ، وهذا مطعم أمازيغ… وهذا وذاك.. وفجأة ظهرت أبنية متآكلة… قصيرة… قديمة… مهملة رغب أحمد في الكلام ليعبر للآخرين عن واجب تقديرهم للنفوس التي استطاعت أن تنحت من الصخر بيوتا ومن الرمال إبريسا لكن السيارة توقفت فجأة إشعاراً بالوصول، ولم يكد أحمد يسترد نفسه ويلملم أفكاره حتى سمع صوتا مناديا من مقهى مجاور: أحمد.. أحمد… رأى شخصا بدت عليه النعمة محمر الوجنتين، فزاغت عين أحمد كمن يحاور ذاكرته حول هوية الشخص المنادي إنه عليالملقب بالمدير زميله القديم في الإرشاد السياحي وفي صفوف الدراسة يوم كان المعلم سي حمو (ذَكَرَهُ اللهُ بِخَيْرٍ) ينصحه رشدا بمباعدته حتى لا يعديه بكسله… فلم ينتبه إلى كون الصديق علي المدير ترافقه أجنبية بَهْكَنَةُ الجسدِ مكتنزة الخصر جاحظة العينين، عريضة الوجه والمنكبين أنفها قصير، زغب لحيتها بين الصفرة والسواد لباسها مكشوف يُظهر عضلات مفتولة… خاطبها علي المدير بصوت خافت مبحوحجوليا… سنعود بعد حين… تكشر وجهها الوردي فأشعلت سيجارتها على التو… اندهش أحمد أحس بألم فظيع يسري بين مفاصله، لم تعد قدماه قادرة على حمل جلده، وفمه لم يستسغ أي شيء حتى طعم لعابه… أخذ يتهادى بخطوات وئيدة تعبر عن الحرية التي يشعر بها، حز في نفسه أن يرى صديقا حميما وفيا يتهالك من الضعف والعجز، وهو الذي لم يقصر يوما واحدا في خدمة ذويه وإطعام أفراخ لا ماء لها ولا شراب، دمعت عينا الصديقين وهما يتطلعان إلى بعضهما البعض، فكسر صمتهما صهيل اخترق الأخدود العظيم، فأزعج السياح والمسافرين وكل المحيطين بهم… -أبعد الله عنا وعنكم إزعاج الحمير والديكة والكلاب الضالة والحشرات الطويلة والقصيرة والمستطيلة والمربعة والمدورة-… لما وصلا إلى رأس النبع الذي يخترق البلاد وينساب بوداعة كحية خرجت من ظل النخيل باحثة عن أشعة الشمس، تنهد علي المدير بعد اجترار غيظ فظيع قال بلهجة مبطنة بالحنق: إني أفكر في أمر هذه “الخوجاية”، الكل يستغرب أمري وأمرها… أتصور أمي متأسفة باكية… نادمة على بؤس حظي وسوء طالعي… نكس أحمد رأسه فشعر أن هناك شيئا قاسيا في أعماقه يثقب ذاته ذلا وهوانا وضعفا وعجزا… كل شيء في هذه البلاد يتبخر: الماء، والأحلام، والأفكار والهواء، القرارات والوعود…. رفع علي المدير رأسه بوجع قائلا: أحمد سأودعك ف(جوليا) الأم الجديدة… الحريم غير المصون تنتظرني لنقضي الليلة في مراكش وغدا في طنجة لنعود أدراجنا، اغرورقت عينا أحمد بالدمع على أمله وأمل صحبه وافترش حجارة الجبل كعادته كمن يعاني من مرض المفاصل والعظام فغرق في بحر من التفكير كالمحارب الذي أعيته الحروب وأتعبه الكد المرهق. انطلق أحمد في دجى الليل نحو الفضاء الرحيب يتمايل ينقل خطواته فوق الحجارة بتراخٍ، أحس بألم مبرح في أسنانه ومعدته، بدأ يخاف بدوره من السقوط ولا يقدر على القيام… إنه يخاف من الكلاب الضالة التي تنبح بين الأشجار خلفه تتجمع وتلعق ألسنتها، تنتظر منه سانحة أن يقع لتنقض عليه… ارتعدت عظامه كلما فكر بأنه سيصبح فريسة للكلاب، أيقن أحمد أن نهايته قد أوشكت، يا ليته مات ميتة كريمة في الجهاد أو حتى ميتة طبيعية بين أهله، يا للعار أن يشاع في البلد أن أحمد ابن محمد بن آيت وآيت… أكلته الكلاب ليلا… استرجع أنفاسه لملم أشلاءه فبعث صيحة في سماع الجبال تاركا خلفه موكبا من الصدى ارتعشت له الكلاب فعادت حيث أتت… بكى أحمد بصوت جهوري، عاتب نفسه على المكان الذي اختاره راحة لنفسه، فقيدته مشاعر التهيب، فتقدم بخطوات سريعة نحو النبع، أنشب يديه بجوانبه وارتوى منه على طريقة البهائم، ارتشف برودة الماء بشفتيه… عاد من جديد إلى مكانه والليل بدأ ينجلي والضوء يطل محتشما، فنام من جديد، ولكن من سيوقظه هذه المرة… ربما ضجيج محرك حافلة سياحية أو شاحنة ذات محرك قديم تحمل على متنها آدميين من سكان إملشيل أو الدواوير المجاورة تأتي بهم أو ترجع بهم إلى مغاورهم… هذا إن طلع نجمه على سعدأو سعيد، أما إذا طلع نجمه على زايد أو زكرياء فسيوقظه عويل ذئاب آخر الليل، وسيتخشب جسمه بردا مع طلوع الفجر، وسيحفر قبرا بجلده وسيكون لزاما عليه الرحيل بلوحة وحذاء وبقايا أجساد و(47) عاما خاوية وزاده فيها خبز وماء ومشي وكذب وصراع.
