الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma
وصلت بعد أسبوع إلى مدينة روتردام Rotterdam بهولندا بعد توقف لمدة قصيرة في العاصمة الأوروبية بروكسيل Bruxelles، بروكسيل التي لم تكن وجهتي لأنني زرتها في مرات سابقة، في روتردام حضرت إفطارا جماعيا نظمته تنسيقية هولندا لدعم حركة 20 فبراير، استمتع فيه الحضور بعرض ساخر للفنان يونس بمالحة المعروف ب "إنكشارية"، كما تمت مناقشة عدة قضايا تهم الحراك الشعبي في المغرب، وربط الاتصال الهاتفي مع المهندس "أحمد بن الصديق"، وجرى معه نقاش موسع حول الحراك السياسي والاجتماعي في المغرب، وفي الغد زرت مدينة أمستردام Amsterdam، وAlkmaar، و Heerhugowaard التي صليت بها التراويح، قبل زيارة متحف madametussauds في ساحة الدام، الذي يضم تماثيل عظماء العالم، وصادفت زيارتنا أنشطة لفرقة hare krishna الروحية، وهي تنشد أناشيد دينية هندوسية.
طرت من أمستردام على متن الخطوط النرويجية في اتجاه الدنمارك وبالضبط مدينة Copenhaguen حيث وجدت في الاستقبال هناك صديقي التونسي عمي عبد الحميد وابنيه، وبعد تناول العشاء، وضع رهن إشارتي بيتا وسيارة، زرت مقر الجريدة التي نشرت صور الكاريكاتور، وهي مطوقة بأسلاك شائكة. وتحدثت مع الأصدقاء هناك عن تلك القضية، كما قمت بجولة في أنهار المدينة على متن قارب صغير، ومدينة كوبنهاجن مدينة القصور الكبيرة، غير أن الذي أثار دهشتي أن بعض طرقات العاصمة الدنماركية محفرة وتحتاج إلى صيانة. الناس هناك هادؤون يجلسون أمام بيوتهم مع كلابهم ويشربون الكحول. حضرت إفطارا رمضانيا جمع شبابا من ليبيا، تونس، غزة، فلسطين، مصر والمغرب، قلت مازحا لأبي سراج مضيفنا "ينقصنا شاب من الجزائر، ونكون الاتحاد المغاربي"، وأعجبني إقبال المسلمين على عمارة المساجد، والقيام بالواجبات، لكن حديث الآباء عن مشاكل الأبناء في تلك البلاد حديث ذو شجون".
سافرت عبر القطار إلى السويد، مدينة Malmo مدينة جميلة نظيفة جدا، هادئة، ولا وجه للمقارنة بينها وبين باقي المدن التي زرتها، هي شيء مختلف تماما، الأعلام السويدية الصفراء والزرقاء ترفرف في كل مكان، صادفت هناك لاجئا سياسيا ليبيا، صاحبته إلى مركز لإيواء اللاجئين، أخبرني بأن أمه جرحت في الحرب، وتعالج بتونس، كما أخبرني أن الثوار سيدخلون طرابلس في سبعة أيام، وذلك ما حصل فعلا، عجبت أنه مثقف، ووعيه السياسي لا بأس به، والتزامه الديني أيضا، لم أكن أتصور أن المواطنين الليبيين بتلك الدرجة من النباهة. في مركز إيواء اللاجئين وجدت جنسيات مختلفة، من سود وأوروبيين وصينيين، والبعض يحمل أطفالا صغارا، وفي وضع مأساوي، عرفت من بعضهم أن المركز يوفر لهم السكن، ويعطيهم بطاقة بنكية، ويصرف لهم مبلغا لا بأس به من المال يفي باحتياجاتهم.
رجعت إلى باريز من الدنمارك على متن رحلة لشركة Easyjet ، ومن باريز سافرت إلى شرق فرنسا، مدينة Montbélliard وتقع بالقرب من Belfort على الحدود السويسرية والألمانية، زرت ألمانيا وسويسرا في يوم واحد بالسيارة، وفي ألمانيا بلد التقنية، وقعت لي طريفة، فقد حاولت كل الطرق مع صنبور ماء حتى أغسل يدي، لكنني لم أفلح، وبمجرد أن وضعت يداي تحته حتى انهمر الماء تلقائيا بدون ضغط على أي زر. "أعرابي في المدينة". الفرنسيون والسويسريون يتدفقون على هذه المدينة للتبضع، لأن ثمن السلع فيها بخس مقارنة مع مدنهم، يسمى هؤلاء كما في الجنوب بين الحدود الاسبانية الفرنسية "الحدوديون" Les frontaliers وهم الأفضل عيشا في أوروبا، يتقاضى أجرة فرنسية، ويتبضع من الأسواق الاسبانية، أو يتقاضى أجرة سويسرية – للتذكير الحد الأدنى للأجر في سويسرا يصل إلى 3500 فرنك سويسري، أي أكثر من 34000 درهم مغربي، ويتبضع من ألمانيا أوMulhouse في فرنسا.
زرت العاصمة السويسرية Berne، مدينة جميلة جدا، تطل على نهر كبير يخترق المدينة، وبجنباته أحواض سباحة للعموم وبالمجان، البرد قارسن ومع ذلك فالناس يستحمون في النهر، يمضون مع اتجاه المياه ذات الصبيب العالي مع البط والإوز، ثم يمسكون بأعمدة حديدية، ويصعدون من النهر، وفي زاوية من الشارع قرب حديقة عامة رجلان يلعبان الشطرنج أمام جمهور غفير من الناس، الرقعة كبيرة جدا، حيث يدخل كل لاعب وسطها لتحرك بيادقه، رقعة الملعب تقريبا 12 مترا مربعا. رجعت إلى Bienne وتناولت طعام الفطور في المسجد، كان إفطارا بنطهة مختلفة مع خليط من الجنسيات.
على متن سيارة Golf زرقاء أعارني إياها ابن العائلة "رفيقي" سافرت من مدينة Biel/Bienne إلى Zug على الطريق السيار، وهناك علقت ساعتين في الزحمة، كان جهاز الراديو في السيارة يخبرني باللغة الألمانية عن هذه المشكلة، لكنني لم أفهم ما يقولونه، المهم وصلت إلى "زوك" مرورا ل Luzern، وصلت إلى aberagri حيث بيت صديقي "رفيق" المطل على بحيرة رائعة، (انتقلت من رفق إلى رفق) تمر منها سفن سياحية، وجبال لا زالت تكسوها الثلوج. في اليوم الموالي استقلنا الباخرة من مدينة « Zurich » إلى مدينة Rapperswil قضينا قرابة الساعتين في البحيرة الكبيرة، كانت رحلة رائعة جدا، أنستني لحظات مؤلمة قضيتها في صخب باريس، بعد تناول طعام الإفطار، وأداء صلاة العشاء رجعت إلى حيث بدأت الرحلة، مدينة Bienne، وصلتها على الساعة الحادية عشرة ليلا، لم أعلق على الطريق السيار هذه المرة، وجدت Magalie زوجة ابن العائلة قد أعدت طعام العشاء كسكسا مغربيا من أجلي، في الغد، استقلت القطار إلى مدينة Genève ومنها سافرت إلى Montpellier مرورا ب Lyon و Valences
وصلت إلى مونبوليي نصف ساعة قبل أذان المغرب، أفطرنا، وأخبرنا أن العيد يوم غد، صبيحة يوم العيد توجهنا إلى ملعب La mosson بالمدينة، ملعب كرة القدم مملوء عن آخره، واللجنة المنظمة ترص الصفوف، وتقدم الإفطار للناس، والتكبير ينطلق منسابا عبر مكبرات للصوت، لحظات جلال لم أعش مثلها في كل الأعياد التي قضيتها في المغرب، حيث ينتظر الناس قدوم "العامل" للصلاة ساعات طوالا، هناك لا عامل ولا مقدم ولا طرابيش حمراء، أما الخطبة فكانت حول معاني العيد بلغة عربية فصيحة، وفرنسية أفصح.
في اليوم الثاني للعيد أعطتني الحاجة سعاد ابنة أختي سيارتها الصغيرة Peugeot 106 فسافرت إلى Carmaux على طريق Castres وصلتها مع أذان المغرب، تجولت هناك وزرت العائلة، واستمعت إلى أحاديث "سيدي أحمد" الشيقة، وبعد يوم واحد رجعت إلى Montpellier مرورا هذه المرة على مدينة Millau حيث يقف شاهدا على إبداع الإنسان جسرها العملاق، مفخرة الهندسة المدنية الفرنسية Le viaduc de millau الجسر الذي يفوق برج إيفيل في علوه (يصل ارتفاعه إلى 270 مترا) وطوله أكثر من كيلومترين، أديت 6.40 أورو رسوم المرور على الجسر، وإذا كان ماو تسي تونغ يقول: "لست بطلا إذا لم تصل إلى سور الصين العظيم"، فيحق للفرنسيين أن يقولوا مثله بإبدال جسر مييو بسور الصين، بت في Beziers، وفي الصباح ذهبت إلى مونبوليي، كانت في طريقي قرية "الطبيعيين" الذين يعيشون كما ولدتهم أمهاتهم، عندما يتجرد الإنسان من ملابسه في الفضاء العام يصبح حيوانا. لنسمها "قرية الحيوانات البشرية"، الحضارة الدوابية. مسخ ما بعده مسخ.
يوم الأحد 4 شتنبر، كان في وداعي بمطار مونبوليي الدولي ابن خالتي الحبيب وزوجته، وهو الذي كان في استقبالي بمطار شارل دوغول الدولي، طرت من هناك في اتجاه مدينة الدار البيضاء، ومن الجو رأيت البوغاز، كان المنظر مذهلا: طنجة من جهة، والجزيرة الخضراء في الضفة الأخرى، تبدو المسافة بينهما بضعة أمتار من ذلك المرتفع، لذلك كلما ارتفع الإنسان استطاع أن يرى الأمور بوضوح ومن زاوية نظر مختلفة، وصلت إلى الدار البيضاء محفوفا بعناية الله، وهناك استقبلتني طوابير الانتظار، ورائحة الفوضى تعم المكان. ما أجمل الوطن وما أحلى ترابه وطوابير انتظاره وفوضاه.
ملاحظات على سبيل الختم
ü في البلاد الأوروبية ترى النظام في كل مكان، في الأحياء والشوارع والمتاجر والحدائق، وفي بلادنا تنمو الأحياء بشكل طفيلي.
ü لا يمكن بتاتا أن تفتح نافذة غرفتك فيحجب جارك المقابل الرؤية، ستطل حتما على بحيرة أو غابة أو نهر، أو ملعب معشوشب، أو منظر جميل، ولكن ليس أبدا شباك جارك المقابل.
ü في أوروبا، الوقت له قيمة مهمة، الطائرة تقلع وتهبط في وقتها المحدد، القطارات أيضا، والباصات، وإن حصل أي تأخير –ونادرا ما يحصل- فإنهم سيخبرونك حتما ويعتذرون، وقد يعوضونك عن أي ضرر تتعرض له جراء تأخيرهم لك، وفي بلادنا لا تسمع حتى كلمة اعتذار.
ü في أوروبا، تقرأ التاريخ وتشاهده في كل مكان، أسماء أدبائهم وتماثيل عظمائهم مبثوثة في كل مكان، ولو تعلق الأمر بجندي عادي قتلته القوات النازية في زقاق بعيد، يخلدون اسمه في ذلك الزقاق، ولا تسل عن تاريخنا ومن يكتبه وماذا يكتب فيه.
ü في أوروبا، يتعاملون مع الإنسان باعتباره إنسانا، ينقذونه من الموت، ويداوون جراحه، ثم يطلبون منه أداء الفاتورة فيما بعد، وعندنا يطلبون منك الأداء مسبقا، أو يتركونك تموت بهدوء.
ü في بعض البلاد الأوروبية، لا يوجد إلا العقول والأدمغة، حتى الجغرافيا لا تسعف، ومع ذلك صنعوا من لاشيء أشياء باهرة، كما في مملكة Béatrice يقولون هناك ب"أن الله خلق الأرض، وبأن الهولنديين خلقوا أرضهم"، لذلك قد تركب الباخرة في مكان ما هذاالعام، وفي العام الآخر تركب السيارة في نفس المكان، حيث اعتدت ركوب الباخرة، ونحن عندنا مساحات شاسعة جرذاء لا يستطيع بشر هذه البلاد أن يصنعوا فيها أي شيء.
ü في أوروبا، الحرية حقيقة ماثلة من اليمين إلى الشمال، تصلي بهدوء وراحة بال، وتعتكف في المسجد إن شئت، وتنظم نشاطا كيفما كان في قلب أي عاصمة أوروبية، وتدعو له عمدة المدينة، الذي لن يتردد في قبول دعوتك، ويأتي راكبا دراجته، وفي بلادنا تعليمات تمنع عدة أشياء، وفي المقابل يمكن للإنسان أن يتجرد من ملابسه، ويصنع ما يشاء دون أن يملك أحد مساءلته.
ü في أوروبا، عندما تذهب إلى إدارة أو مؤسسة ما على الساعة الثامنة صباحا تجد جميع الموظفين من البواب إلى أرفع مسئول، ولا تقلق فلن تسمع العبارة التي اعتدنا على سماعها في بلادنا "ليس هناك من يوقع، ارجع في المساء أو غذا".
ü في أوروبا دكاترة ومؤلفون كبار، وفي مواقع مسؤولية كبرى يملكون بالكاد شقة يسكنونها، وفي بلادنا أميون أصحاب ملايير.
ü في اسبانيا لا يتكلمون غير لغتهم، وإن كنت تتكلم الفرنسية، فانسها عندما تغادر فرنسا، لكن إن كنت تجيد الانجليزية فيمكن أن تتواصل في أي مكان في أوروبا، وأعجب من فرض بعض المسئولين في بلادنا اللغة الفرنسية التي تجاوزها أصحابها.
أكتفي بهذا القدر، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.