الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma
وأنا في طريقي من مراكش إلى تتغير عبر ورزازات وسكورة وقلعة امكونة وبومالن داداس انتابتني هواجس عديدة وتساءلت كيف لي أن أقتحم هذه الأرض، وكيف السبيل لمعرفة شجونها، فرغم أني عشت طفولتي قريبا منها، غير أنني لم أحظ بالكشف عن خبايا هذا الفضاء، إلا أن الطيبوبة والصدر الرحب لأهلها بددا مخاوفي وهو ما سهل مأمورية استطلاعي لها..
تقول الرواية الشعبية أن اسم تودغة أطلق على منطقة تنغير انطلاقا من أسطورة تتعلق بأحد الأولياء الصالحين يدعى سيدي علي وإبراهيم، جاء إلي المنطقة فتاهت عنه زوجته المسماة تودة واخذ ينادي بأعلى صوته تودة، تودة، تودة ومع صدى الاسم المتردد بين الجبال. حرف ليصبح تودغة
إنها ، إذن، منطقة تودغة، أو ما يسمى حاليا تنغير بعدما طغى اسم حاضرة المنطقة، وهي تقع في منخفض الجنوب الأطلسي شرق المغرب. ارض تميزت بقوة رجالها وبسالتهم ومقاومتهم للمستعمر، كزايد احماد بتودغة، وعسو وباسلام بايت عطا..
لفطنتني سيارة الأجرة التي نقلتني من قلعة امكونة بساحة سوق بومالن داداس، فكان لابد من انتظار ساعة وربع لاقل أخرى إلى تتغير.. وهو ما بين لي آن هناك أزمة نقل بهذه المناطق.
كانت اللون الرمادي لجبال صاغرو يسيطر على المشاهد البعيدة التي تتراءى لي من زجاج السيارة، بينما المساحات الشاسعة تؤثثها بعض النباتات الشوكية اليابسة..
كانت تضرم في أعماقي الكثير من الأسئلة، لعل أجوبتها تمثل مفاتيح لاقتحام هذا العالم الأخاذ، المنبوذ وسط تراكمات النسيان.
وصلت إلى تغير وقد بدا الظلام يغطي المدينة وهو ما جعلني اكتشف آن العديد من الأزقة والشوارع تفتقد إلي الكهرباء، لكن أحد السكان قال لي بان هناك تحسنا نسبيا بالمقارنة مع الماضي، وان هناك مجهودات ملموسة في هذا المجال.
كان لابد آن أتجول بأزقة تنغير واحيائها العتيقة… انطلقت من زقاق لا يبعد كثيرا عن مقر الجماعة، فأثارت انتباهي بعض محلات صناعة المنافخ الرابوز وهي صناعة يتميز بإتقانها أهل تتغير.
الرابوز التنغيري يتميز بلونه الأحمر المزخرف بعدة ألوان وقد رتبت ممنتوجات هؤلاء بشكل أنيق يستقطب السياح وغيرهم. قيل لي آن عائلة ايت حاطوش هم الاختصاصيون في هذا النوع ممن الصناعة، توارثوها أبا عن جد.. سالت صانعا تجاوز السبعين من عمره عن الإقبال الذي تلقاه منتوجاته، فتحدث بمرارة عن الوضع الذي آلت إليه هذه الصناعة حيث الإقبال الذي تلقاه متوجاته يتناقض سنة بعد سنة بسبب الوسائل الحديثة من غاز وآلات كهربائية.
سارت بي الأزقة لاقف على دكان مختص في صناعة أخرى لها ارتباط بالحياة اليدوية، أنها صناعة اسرجة الدواب والبغال البرادع صانع في مقتبل العمر يجلس وسط مجموعة من البرادع التي راكمها، بينما التبن مكوم في جهة أخرى من الدكان وإلى جانبه خرق ممزقة، وهي مواد يعتمد عليها في صناعته… قال بأنه ورث مهنته عن أسلافه وهو جد سعيد بها واضاف :
البرادع أنواع، منها الممتازة المزخرفة المغطاة بقماش صوفي، ومنها العادية مغطاة بالبلاستيك أو الحلفاء… الإقبال على البرادع يشتد في موسم الحصاد حيث يتم استعمال الدواب بكثرة، أما بقية السنة فنضطر إلى الانتقال إلى الأسواق المختلفة بالإقليم لعرض منتوجاتنا.. لا يتجاوز ربحنا في البردعة الواحدة خمسين درهما، علما آن صناعتنا تتطلب يوما كاملا.
ودعت هذا الصانع فدخلت أزقة ضيقة تتنوع فيها بعض المتاجر التي قيل لي أنها سوق النساء، وكان بحق يشبه بعض الأزقة المؤدية لسوق السمارين بمراكش ولكنه أكثر انكماشا وتهميشا. ولجت حي عتيق، جل بناياته بالطين تتداخل فيه الأزقة عبر دهاليز مظلمة، إنه حي أحرضان حيث تتمركز فيه صناعة الجلود من دباغة واعداد جلود الفرو الهيادير ومخضاة اللبن الشكوة وهي صناعات من اختصاص عائلة ايت حدو.. واللافت للانتباه في تنغير هو أن الصناعات التقليدية مرتبطة ببعض الأسر التي تحتفظ بها خلفا عن سلف غير أن من أدخلوها للمنطقة هم اليهود الذين غادروا في بحر الستينات… اتهمتني الأزقة الضيقة لحي آبت الحاج علي، فوجدت الأطفال يمارسون شغبهم وسط الأتربة بينما النساء مجتمعات يجلسن تخت جدران الدهاليز أما للقيام بأشغال جماعية كتنقية الحبوب أو تبادل أطراف الحديث وهن يجدن راحتهن داخل هذه الدهاليز لأنها تحميهن من الحرارة المفرطة التي تعرفها تنغير في شهر يونيو هذا…
بهذا الحي وقفت على مأساة إنسانية… أكواخ متلاشية وداخل كل كوخ تتكدس عدة أسر، فقد قادني أحد السكان يدعى اعراب إلى بناية مظلمة مبنية من الطين متلاشية ومهددة بالانهيار. وأخذ يسخر من واقعه ويلعن اليوم الذي انتسب فيه لهذه المنطقة، لقد تألم كثيرا خصوصا وأنه ابن أسرة أصيلة بتنغير. وجد نفسه مرميا في بيت عتيق يتجرع مرارة الميز العنصري، فلا يعقل أن يستفيد البعض من الأراضي السلالية بينما يحرم لبعض الآخر وفي هذا قال: ها أنتم ترون كيف أعيش وسط هذا الكوخ… فحتى صناعتي أقوم بها هنا. وازدحم ستة أسر أخرى فلو طلب الورثة أن نقتسم هذا الكوخ لما حصلت على نصف حجرة أو بالأحرى على نصف جحر. أي حياة هذه؟ لقد كان يتكلم وبحزن عميق. حدثني أحد العارفين بخبايا المدينة وقال: إن الأراضي السلالية استفاد منها من كانوا عملاء للاستعمار وأذنابه بينما السكان الأصليون يعيشون على الهامش، خصوصا منهم سكان أحياء أحرضان وايت الحاج علي وايت بارا… تخلصت من دهاليز الحي أنا ومرافقي لنخرج إلى مكان يطل على بساتين خضراء، وعلى مقربة منه بناية لمحرك يضخ الماء ليزود به السكان الذين لم تكن لديهم استطاعة مد قنوات الماء إلى بيوتهم، وهناك وجدنا العديد من النساء يقمن بتصبين ألبسة وأثاث منازلهن، وإلى الجوار تتراكم الأزبال والأتربة مما يجعلها تتسرب إلى المياه.
تأملت المكان جيدا حيث بعض البنايات العتيقة المتميزة بمعمارها الجنوبي الأصيل لكنها تصدعت وانهارت أجزاء منها وهي في طريق الانهيار التام. ومع ذلك فلم تتدخل مندوبية وزارة الثقافة أو السياحة لانقادها رغم أن منطقة تنغير تعد من المناطق السياحية المهمة. بعد إطلالتنا على ضريحي سيدي إسماعيل وسيدي مسكور تلقفتنا ساحة تعتليها القاذورات والأتربة بينما بعثرت عليها بعض المواد المعروضة للبيع من خزف وخضر وبضائع أخرى قيل لي أنها السوق القديم ويطلق عليه أهل تنغير اسم السوق أمز دار ومنه اتجتدبتنا القيسارية التي لايمكن آن ينبطق عليها المثل الدارج اللي ما شرا اتنزه لأنه لا شيء يثيرك للتنزه فيه ولا شيء يغريك لشرائه، باستثناء زنقة القراشل وهي تضم محلات لصناعة محلية أخرى إنها صناعة القراشل وهي آلة تقليدية من الخشب تلتصق بها مسامير صغيرة على شكل مشط تستعمل لتنظيف ومشط الصوف، ومن هذه الصناعة يحدثنا المعلم داو ود حمودو عملت في هذه المهنة أزيد من خمسين سنة، عندها كنا نشتغل عند اليهود بربع ريال مخزني… في القديم كان الرواج يحرك هذه الصناعة أما في الوقت الحالي ومع تواجد الآلات العصرية أصبح الإقبال عليها قليلا، وحتى المواد المستعملة في صناعة القراشل غالية الثمن.. ومع ذلك سنستمر في تحدي كامل..
http://ossaid.maktoobblog.com/2220/لبنى4/