الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma
ذ. لحسن بنوروار
بادئ ذي بدء ، سنوظف كلمة " مراهقة" بعيدا عن كل الشحنات الدلالية التي ترتبط بها في الأحكام المسبقة لدى عامة الناس. حيث سنقوم بالتعامل مع هذا المفهوم باعتباره يدل على فترة عمرية لا تقل ولا تزيد عن باقي الفترات الأخرى، دون أية حمولة قدحية ، لأن هدفنا في هذا الإطار هو معالجة ظاهرة تربويةتتمثل في عزوف تلامذتنا عن القراءة.
مراهقو المدارس الثانوية لا يقرؤون ، بل إنهم لا يعرفون القراءة. هذا ما تكشفه التقارير والدراسات والأبحاث وشهادات المدرسين ، وكذا باعة الكتب. حيث يجمع كل المتدخلين على كون التلاميذ قليل منهم من يمارس القراءة. أما الغالبية العظمى فهي تكاد لا تبارح عملية التلاوة.
يتجلى العزوف عن القراءة أكثر ما يتجلى في مواكبة التطورات السريعة والمتلاحقة في مجالات الفكر والعلم والأدب، وفي عالم الأفكار والنظريات خصوصا. فالمتمدرس المراهق لا يعرف سوى كتابا واحدا ألا وهو الكتاب المدرسي. والذي يشعر، في الوقت نفسه، تجاهه بنوع من النفور واللاجدوى. فشاعر كالحطيئة أو بودلير أو كاتب كطه حسين أو فيلسوف كسارتر ... يبدون لمتعلمي اليوم بمثابة مومياءات متحجرة آتية من كواكب أخرى. حيث أن المراهق المتعلم يحكم على هؤلاء بأنهم يمثلون الماضي، وبالتالي فهم قد صاروا متجاوزين، بل إن الزمن قد عفا عنهم ، ومنه ، ما الجدوى من دراستهم ؟
وبالتالي فإن هذا الإحساس أو الانطباع يشكل تجربة نفسية قاسية للمراهق مما يدفعه من حيث يدري أو لا يدري، إلى رفض البعد الزمني في التجربة الإنسانية.
واقع كهذا يفتح الباب لاستفحال ظاهرة لا تربوية أخرى أشد خطورة هي ظاهرة استهلاك المنتوجات الثقافية الرخيصة السطحية والفقيرة ، خصوصا مع انتشار وسائل تقدم أطباقا ثقافية بالصوت والصورة لا يتطلب استهلاكها أدنى مجهود.
قد يعترض معترض على ما قد يبدو له نزعة تشاؤمية . فإذا قلنا إن مراهقينا المتمدرسين لا يقرؤون، فإننا نحدد المشكلة في كون أن نمط القراءة هو الذي انحط. إذ بإمكاننا أن نقرأ لنفكر، كما يمكن لنا أن نقرأ من أجل مضيعة "إيجابية" للوقت ، أي أن القراءة هي وسيلة وليست غاية في ذاتها.
1/2
ومنه فإن القراءة فعل نستدخل من خلاله المعلومات العالمة التي تقوم كفاياتنا المتعددة بمعالجتها وفحصها ونقدها واستثمارها.تظهر المعلومة كحامل من حوامل الحقيقة يسمى المجال أو السياق التداولي للمعلومة حينما تخضع للفكر. هذا المجال الذي يخضع لنوع من النظام، وهذا الأخير قائم على التصنيف وبالتالي تقدر قيمة المعلومة تبعا لجودتها ولجدتها، أي حسب ارتقائها الأصلي عن المعلومات المعطاة، أو التمثلات ، من جهة، ومنزلتها ضمن سلم المعلومات المبنية من جهة أخرى. ومنه يمكن أن نقول إن التلقائية هي إذن مكمن الخطورة.
لعله من الضروري لتلامذتنا ، الذين لا يتجاوزون – مكرهين- فعل التلاوة التي لا تتجاوز مستوى التهجي السريع دون إدراك الروابط والارتباطات بين العناصر اللسانية التي يتلونها دون إدراك معانيها ومقاصدها ومُخاطَبيها... فالقراءة ليست فعلا نمطيا وآليا ، وإنما هي نوع من التفكر والحفر في الصخر. ورفض القراءة هو في العمق رفض للتحليل. فعندما تحرق ،مثلا، قطعة من القطن وتسأل شخصا عن السبب في احتراق القطن يجيبك فورا وقطعا بأن النار هي التي أحرقت القطن، في حين أن عملية الاحتراق تحتاج كذلك إلى الأوكسيجين وغير ذلك.
رفض التحليل يسقط الإنسان في نزعة اختزالية حيث لا ينطلق في تفسيره لظواهر العالم الفيزيائي أو الاجتماعي من البحث تجزيئا وتفكيكا، من القاعدة الذهبية التي تقول : كل ظاهرة فيزيائية أو إنسانية، لا بد لتفكيكها من البحث عن مختلف العوامل التي تتدخل في تكوينها ، وليس اختزالها في عامل واحد.
من خلال ما سبق ، يمكن أن نقول أن رفض القراءة من طرف متمدرسي اليوم هو في الحقيقة رفض لعملية التحليل والتفكيك التي تقف عند جميع مستويات الظاهرة، وتعرف مدى مساهمة كل عامل على حدة في ظهور أو اختفاء الظاهرة.
غير أن ظاهرة العزوف عن القراءة لدى متمدرسينا لا ترجع فقط إلى هؤلاء ، بل إن المحيط الثقافي هو الآخر يحبل بعدة عوامل سلبية تعمق من حدة الظاهرة. فعملية القراءة ، مثلا، كتمرين مدرسي ليس لها الوقت الكافي داخل فصولنا الدراسية تحت ضغط الزمن والإنجاز المتسارع لمضامين الدروس . إضافة إلى تراجع القيم الأخلاقية على مستوى المخيال الاجتماعي الذي أصبح ينظر بعين الريبة إلى الكد والجد والمثابرة مفضلا الاستهلاك السريع لمعطيات الثقافة ، بل إن الإيقاع السريع قد أصبح هو الإطار العام لحياتنا اليومية.
وختاما نتمنى أن يساهم كل فاعل من موقعه في عملية تشخيص هذه الظاهرة ومعالجتها.
2/2