الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma
الدكتور أحمد البوزيدي
كلية الآداب – ظهر المهراز- فاس
تقديم
كانت قبيلة كَلاوة، بالأطلس الكبير، إلى غاية أواسط القرن 19 م، تخضع إلى سلطة قيادة زمران() وكانت القبيلة تخضع لأنواع من السخرة والإذلال والقهر، وفي حوالي منتصف القرن 19 م، بزغ نجم المزواريين في سماء قبيلة كَلاوة، مع الشيخ أحمد المزواري الكَلاوي، واشتد عود هذه الأسرة، بعدما نجح رجالها في ربط مسيرتهم السياسية بالمخزن العلوي خلال العقود الأخيرة من القرن 19. وقد راهن القواد الأوائل من أسرة آل الكَلاوي المزواريين على التحكم في الطرق التجارية التي تربط مدينة مراكش بواحات الأودية التي تمتد جنوب جبال الأطلس (درعة، دادس ثم تودغة)، ذلك أن التحكم في عصب هذه التجارة عبر الأطلس الكبير، التي لا غنى عنها لسكان الواحات الجنوبية، ستساعد أسرة آل الكَلاوي المزوارية في فرض هيمنتها على الأسر القائدية التقليدية، بمناطق الأودية عامة وبواحات درعة بشكل خاص. فكيف تطورت وضعية أسرة آل الكَلاوي من مشيخة صغيرة، لا يتجاوز مجال نفوذها قبيلة أهل تلوات، إلى قيادة كبرى، امتدت سيطرتها من تلوات بالأطلس الكبير إلى التخوم الصحراوية؟ وما هي طبيعة العلائق التي تربط أسرة آل الكَلاوي المزوارية بالأسر القائدية التقليدية بواحات درعة؟
I - أسرة الكَلاوي: من المشخية إلى القيادة
1 - تنصيب أحمد المزواري شيخا على أهل تلوات
يتفق الباحثون، الذين تتبعوا بالبحث والتمحيص، تاريخ أسرة آل الكَلاوي المزوارية، وتسلقها سلم السلطة المخزنية، إلى أن فازت بمنصب القيادة، على القول بأن بداية هذه الأسرة كانت متواضعة ولم يكن لها شأن يذكر بين قبائل كَلاوة.
وفي أواسط القرن 19 م، نجح أحمد المزواري في الفوز بمنصب أمغار (شيخ) على قبيلة أهل تلوات، وتتشكل هذه القبيلة من دواوير صغيرة، لا يتجاوز عددها أصابع اليد، وتندرج ضمن مجال قبيلة كَلاوة الجنوبية()، كانت قبيلة أهل تلوات، كغيرها من قبائل كَلاوة، خاضعة في ذلك الإبان لمجال نفوذ القائد الهاشمي الزمراني().
كان أحمد المزواري الكَلاوي، يعتمد في تدبير معاشه اليومي، وقوت أسرته على ما كان يصله من وعْدات وفتوحات()من القبائل التي تعتقد صلاحه وتقدره وتجله، لأنه، فيما يزعم، ينحدر من ذرية الشيخ أبي محمد صالح الماكري، دفين أسفي().
وبعد اكتشاف، معدن الملح()بأزرود، بالقرب من تلوات، عمل أمغار أحمد المزواري، على تنظيم تجارة الملح، وكانت القوافل المحملة بملح أزرود تصل بشكل منتظم إلى أسواق الأطلس الصغير، وأسواق المناطق الصحراوية، وكانت ملح تلوات، مطلوبة في جل مناطق الجنوب، فكانت حركة القوافل المحملة بهذه المادة تنشط في طرق الأطلس الكبير وكل جهات الجنوب، الأمر الذي جعل أمغار أحمد المزواري الكَلاوي، يؤسس سوق الإثنين، بإغيل نيبيان. وبفضل ما كانت تدره عليه تجارة الملح وما يستخلصه من سوق إغييل نيبيان، إرتاش، أحمد المزواري الكَلاوي وتغيرت أوضاعه الاقتصادية().
هذا التحول السياسي (شيخ قبيلة) والاقتصادي، (التحكم في تجارة الملح، وفي مداخل سوق الاثنين) الذي طرأ على حياة الشيخ أحمد المزواري الكَلاوي، أثار حفيظة صهره، الشيخ أحمد بن الحاج محمد، شيخ قبيلة تاغنوست (المجاورة لتلوات) فألب عليه كل المناهضين له، فاضطر أحمد المزواري الكَلاوي، إلى الهروب حيث لجأ إلى قبيلة أونيلا()، وبهذا المنفى الإجباري، ازداد للشيخ أحمد المزواري الكَلاوي، الطفل الذي سيعرفه التاريخ منذ أواسط العقد السادس من القرن 19م، ب محمد أبيبط().
وعلى ضفاف واد أونيلا، شب الطفل محمد أبيبط، وقد تجرع ما يكفي من مرارة المنفى، وتذوق الكثير من أحزان أبيه، وتأثر لمظاهر الهم والغم، التي كانت تلوح على وجه أبيه الذي ضاعت منه مشخية قبيلة أهل تلوات، وقد كبر محمد أبيبط، وكبر معه حلم استرجاع مشخية قبيلة أهل تلوات، والعودة إلى القمم الشماء للأطلس الكبير، وهكذا ما كاد أحمد المزواري الكَلاوي ينتقل إلى جوار ربه سنة 1272 ﻫ/ 1855 م حتى هب الشاب محمد أبيبط، في جمع من خلص أبيه وأنصاره من قبيلة كَلاوة وأونيلا، فانقض على مدشر تاغنوست، وبعد جولة قصيرة من المواجهة، قتل الشيخ أحمد بن الحاج محمد بمعركة تيغوفار آيت الربع().
ويظهر أن إقدام محمد أبيبط، وطريقة عودته للثأر لأبيه من شيخ تاغنوست، قد أثارت انتباه المخزن المركزي، الذي كان يبحث إبانه عن هذا النمط من الرجال الأشداء بالأطلس الكبير لحماية الممرات الجبلية، وتوفير الأمن للقوافل التجارية، وإعادة هيبة المخزن بهذه الجهة من الأطلس الكبير، فقرر السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام سنة 1273 ﻫ/ 1856 م، تعيين محمد ابيبط المزواري الكَلاوي، شيخا أعلى (أمغار نوفلا) على قبائل أهل تلوات، وآيت أونيلا، وآيت تامنات() كان الشيخ محمد أبيبط، طموحا، ومندفعا لا يأبه بالمخاطر التي تواجهه، إذ ما كاد يعين شيخا مخزنيا، حتى بدأ يتطلع إلى بناء مشيخة كبرى ويجمع تحت نفوذه وسلطته كل فرق قبيلة كَلاوة بشقيها الشمالي والجنوبي() على غرار ما حققه الكنتافيون والمتوكيون() وقد تجاوب رجال قبيلة كَلاوة مع تطلعات محمد أبيبط، لأنه الرجل القادر لأن يجعل من هذه القبيلة قوة قبلية بين قبائل الأطلس الكبير. كانت العقبة الوحيدة، التي تعترض "مشروع" محمد أبيبط، في تجميع رجال وتوحيد قبيلة كَلاوة حوله، هو وجود القائد الهاشمي الزمراني الذي يتمتع بالحق التاريخي والرسمي، كقائد مخزني يمارس السلطة، ليس على قبيلة كَلاوة فحسب، وإنما على مجموعة من القبائل بالأطلس الكبير مثل غجدامة وفطواكة وغيرها(). وهكذا ما كاد الهاشمي الزمراني يغيب من مسرح الأحداث سنة 1275 ﻫ/ 1858 م، حتى اعتقد محمد أبيبط، بأن ساعة تحقيق حلمه، لتلخيص قبيلة كَلاوة من سطوة قيادة زمران قد حلت.
كثف محمد أبيبط، اتصالاته، ببعض رجال المخزن النافذين في دائرة مولاي عبد الرحمن بن هشام، وكان لا يألو جهدا في محاولة إقناع حاشية السلطان بمد العون له للحصول عل ظهير تعيينه، قائدا على قبيلة كَلاوة، لتخليص قبيلته من براثين قيادة زمران. إلا أن نفوذ القائد عمر الزمراني، الذي تولى منصب القيادة مكان أخيه المتوفى، أفشل محاولات محمد أبيبط وأعاد كل جهوده للتخلص من قبضة الزمرانيين إلى الصفر. بل إن القائد عمر الزمراني، قد عبأ كل جهوده لتقليم أظافر محمد أبيبط المزواري ليكون عبرة لغيره، فاتهمه عند السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام بالعصيان والتشغيب على المخزن.
ورغم أن المصادر التاريخية المعتمدة، قد سكتت عن طبيعة هذا "العصيان" وهذا "التشغيب"، فإننا نعتقد أن هذه التهمة تدخل في إطار الدسائس، التي يحيكها قواد القبائل ضد بعضهم البعض، مع العلم، أن المخزن، الذي كان إبانه منشغلا بالتهديدات الأجنبية للأراضي المغربية، لم يكن مستعدا، ليفتح باب التحقيق في هذه التهمة الخطيرة التي ألصقها عمر الزمراني بالشيخ محمد أبيبط المزواري. وقد تمكن القائد عمر الزمراني، من استصدار أمر من السلطان مولاي عبد الرحمن باعتقال محمد أبيبط المزواري ومعاقبته بما يستحق، ويعتبر الأمر السلطان بمثابة تفويض مطلق للقائد عمر الزمراني، لحل قضية محمد أبيبط، إما بسجنه أو بقتله إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
ونستشف من التطور الذي عرفته قضية محمد أبيبط، أن القائد عمر الزمراني، قد بث عيونه وجواسيسه لضبط تحركات محمد أبيبط المزواري بحراسة المنافذ الجبلية وكل الطرق التي تؤدي إلى مراكش. إلا أن محمد أبيبط، الذي حنكته المحن، وعلمته التجارب، عرف كيف يفلت، من كل المصائد التي نصبها له عمر الزمراني والوصول إلى مراكش.
تجنب محمد أبيبط، بعد وصوله إلى مراكش، الذهاب إلى القصر السلطاني، لنفي تهمة العصيان والتشغيب عن نفسه، وتوجه رأسا إلى زاوية الناصريين بحي رياض العروس للاستحرام بها إلى أن يدبر أمره مع المخزن.
ومن حسن حظ محمد أبيبط وسعده، أن دخوله متسترا إلى مراكش تزامن مع وفاة السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام يوم 29 محرم 1276 ﻫ/ 1859 م. كما صادف وجود شيخ زاوية تامكروت الناصرية، سيدي بوبكر بن علي الناصري بمراكش().
ومن التقاليد المعروفة عند الناصريين، أن شيخ الزاوية، يحضر عملية بيعة السلطان الجديد، وهكذا استغل سيدي بوبكر بن علي الناصري وجوده بمراكش، فحضر ضمن أعيان البلاد وكبرائها بيعة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن الذي خلف أباه على كرسي السلطنة، وقد تشفع الشيخ الناصري عند السلطان الجديد لمحمد أبيبط المزواري().
ويظهر أن السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، الذي يعرف جيدا مدينة مراكش، ومطلعا على دسائس قواد القبائل بالجهات الجنوبية، لم يناقش طلب الشيخ الناصري في العفو عن محمد أبيبط المزواري، بل إن السلطان قد جدد له، ظهير تعيينه شيخا أعلى (أمغار نوفلا) على كل القبائل التي نص عليها الظهير الرحماني.
وقد أخلص محمد أبيبط المزواري في خدمة أهداف المخزن،وكان يحرص على الحضور برجال قبيلة كَلاوة في الحركات المخزنية إلى جانب السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وخليفته بمراكش الأمير مولاي الحسن وقد برهن غير ما مرة أنه قادر على القيام بكل المهام التي يكلفه المخزن بها سواء بمجال قبائل الأطلس أو بقبائل الجنوب بصفة عامة().
وبعدما لاحظ السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، استماتة الشيخ محمد أبيبط المزواري، وتفانيه في خدمة أهداف المخزن، قرر ترقيته إلى منصب قائد مخزني وذلك ابتداء من سنة 1281 ﻫ/ 1864 م().
2 - القيادة وتأسيس سلطة آل الكَلاوي بالجنوب
تحقق للشيخ محمد أبيبط المزواري، ما كان يحلم به، وظل يخطط له منذ وفاة والده 1272 ﻫ/ 1855 م، وهو الوصول إلى منصب قائد مخزني، والارتباط بالمخزن على غرار العائلات القائدية الكبرى بالأطلس الكبير().
لا شك أن المتفحص لمسيرة محمد أبيبط المزواري، السياسية، سيلاحظ أن الرجل كان محظوظا جدا، وأن بعض الأحداث الطارئة، كانت تبدو وكأنها جاءت، لتدفع بمحمد أبيبط المزواري إلى الواجهة وتقريبه أكثر فأكثر من المخزن.
فإذا كانت وفاة السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام سنة 1276 ﻫ/ 1859 م قد ساعدته في الانفلات من قبضة غريمه القائد عمر الزمراني، فإن بعض الأحداث القبلية، التي عرفتها بلاد آيت واوزكيت سنة 1862 م، بإقليم تارودانت الحالي، وتورط القائد أزروال الرحماني في تحريك تلك الأحداث وتأجيج الصراعات القبلية() قد جعل السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن يعتقل القائد أزروال الرحماني، ويسند مهمة ضبط أحوال هذه القبائل إلى محمد أبيبط المزواري بعدما رقاه إلى منصب قائد مخزني، بعدما أضاف إلى قيادته مجال قبائل آيت واوزكيت بإقليمي ورزازات وتارودانت الحاليين، وهكذا انطلق محمد أبيبط المزواري على رأس رجاله لإخضاع القبائل العاصية باسم المخزن، وقد أفرط في استحلاب الأموال، واستخلاص أضعاف ما دفعه للمخزن، وقد أطلق أيدي رجاله على تجمعات قبائل آيت واوزكيت وآيت زينب، وآيت ورزازات، لنهب كل ما يمكن نهبه من حبوب وأنعام وغيرها، ثم ألزم بعد ذلك كل خيمة بدفع قدر مالي().
وفي إطار تنمية موارده المالية، لمواجهة متطلبات الحياة اليومية كقائد مخزني، وللوفاء بكل الالتزامات المخزنية التي قطعها على نفسه، عول محمد أبيبط المزواري، على التحكم في شريان الحركة التجارية عبر الطرق التي تربط، عاصمة الجنوب، مراكش، بمناطق الواحات (درعة، دادس، تودغة) وهي حركة تجارية دائبة لا تكاد تتوقف في كل فصول السنة، إلا أن العقبة التي تعترض محمد أبيبط المزواري، هو وجود أسر قائدية قوية في مجالات قبائل آيت واوزكيت، وقبائل إمغران، وهذه القيادات المحلية تستمد قوتها من التحكم في المحاور التجارية بالمنطقة، لذلك كان من اللازم على محمد أبيبط إخضاع هذه القيادات المحلية لسلطته، وهو أمر يصعب تحقيقه بالسرعة المطلوبة نظرا للتحالفات القبلية القوية، التي ترتبط بها القيادات المحلية وتستند إليها، وقد زاد من صعوبة محمد أبيبط المزواري، أن قيادات آيت واوزكيت، وآيت ورزازات، وشيوخ قبائل إمغران، لم تخف معارضتها القوية، لقيادة محمد أبيبط عليها، لأنها ترى فيه شخصا أقل شأنا منها.
كان محمد أبيبط المزواري، يدرك جيدا صعوبة إخضاع معارضيه لنفوذه لذلك حاول الاستفادة من الحركة التجارية الدؤوبة عبر الأطلس الكبير، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القبائل الواوزكيتية والمغرانية وحلفائها، فعمد إلى إحياء سوق الاثنين بإغيل نيبيان، وبنى بجانبه فندقا لنزول القوافل التجارية، وبذلك يمكنه مراقبة ممر تيزينتلوات، وأحدث في الطرف الغربي لهضبة تلوات سوق الخميس بزركطن، وبني بجانبه أيضا فندقا، وبإمكان هذا السوق أن يراقب ممر تيزينتشكا.
ويتضح جليا من اختيار موقع السوقين، التي لا مناص للقوافل التجارية، من مراكش إلى الجنوب، أو العكس، من الانفلات من المراقبة وتأدية ما فرضه عليها محمد أبيبط المزواري، من إتاوات ورودا وصدورا().
كان الهدف من هذه الإجراءات هو إرغام القبائل المنتشرة بمجالات آيت واوزكيت، ورزازات، إمغران، وقبائل الأودية، على الخضوع والرضوخ لإرادة الكَلاوي، إلا أن ردة فعل ، القبائل المتضررة بشكل مباشر من إجراءات محمد أبيبط المزواري، كانت قوية، وظهرت ملامح الغضب عند شيوخ قبائل آيت واوزكيت وشيخ قبيلة آيت زينب بتمداخت() وشيخ قبيلة تيكرت() بالإضافة إلى شيوخ قبائل إخوزامن وأهل ورزازات.
كانت هذه القبائل ترتبط فيما بينها في لفوف محلية، وتنضوي كلها في حلف "تاكوزولت" الذي تمتد لفوفه إلى عدة جهات بالجنوب المغربي().
وقبل الدخول في مواجهة مسلحة مع محمد أبيبط المزواري، جدد شيوخ قبائل آيت واوزكيت وأهل ورزازات وقبائل إمغران() العمل بالمعاهدات التحالفية في إطار حلف تاكوزولت، ولن نبالغ إذا قلنا، بأن القائد محمد أبيبط المزواري، كان يعي جيدا، صعوبة التغلب على شيوخ هذه القبائل المتحالفة ضده، إلا أنه كقائد مخزني، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتراجع أو أن يتوجس الهيبة من الحرب، لذلك نلاحظ أنه اعتمد استراتيجية الحرب الخاطفة والانفرادية ضد هذه القبيلة أو تلك، لإضعافها وخض شوكتها، وهكذا ركز في حروبه ما بين 1292 ﻫ/ 1874 م و1297 ﻫ/ 1880 م على ضرب قبائل آيت زينب، وتيفولتت، وآيت بن حدو() وأهم ما حققه محمد أبيبط المزواري في هذه الحروب الصغيرة والخاطفة هو الوصول إلى عمق ورزازات، والاستيلاء على قصبة تاوريرت سنة 1294 ﻫ/ 1877 م بعد أن فر منها الشيخ محمد بن عبد الله.
تمكن محمد أبيبط المزواري، بعد سيطرته على قصبة تاوريرت، من فرض مراقبته على الحركة التجارية الدؤوبة بين واحات درعة وأسواق ورزازات وبين هذه الأخيرة وبلاد دادس، سكورة وتودغة().
ورغم هذا الاختراق المحدود، للحلف القبلي القوي بين آيت واوزكيت وأهل ورزازات، فإن محمد أبيبط المزواري، لم يتمكن من إحكام قبضته على قبائل آيت واوزكيت القوية، التي ظلت تشكل سدا منيعا في وجه القائد محمد أبيبط الكَلاوي المزواري، والحيلولة دونه لبسط نفوذه على مناطق الواحات الغنية. وقد توفي محمد أبيبط الكَلاوي المزواري سنة 1304 ﻫ/ 1886 م وفي نفسه شيء من المرارة من معارضة قبائل آيت واوزكيت وحلفائها.
3 - المدني الكَلاوي: من القيادة إلى الخلافة على الجنوب
يعتبر الفقيه المدني الكَلاوي المزواري، حين وفاة والده محمد أبيبط، أكبر أبناء القائد محمد أبيبط، على قيد الحياة() وقد عينه والده خليفة له قيد حياته، فزكاه السلطان مولاي الحسن "على إيالة والده وأوسع له فيها بنواحي الصحراء"().
كشف الفقيه المدني الكَلاوي، بعد توليه القيادة، على خصال قيادية عالية وعن حنكة وخبرة كبيرتين في إدارة شؤون القبائل. فقد كان يشارك أباه في جل الحركات المخزنية، لإخضاع بعض القبائل المشاغبة ببلاد الفايجة() والأطراف الشرقية لبلاد سوس. فكيف عالج القائد الفقيه المدني الكَلاوي قضايا قبائل قيادته؟
نستفيد مما كتب عن الفقيه المدني الكَلاوي، أنه كان بارعا في توظيف معارفه العلمية، وتجاربه، في رسم سياسة جديدة تخالف سياسة والده في التعامل مع القبائل، فقد خابر من خلال تجاربه الطويلة إلى جانب والده، عقلية شيوخ وأعيان قبائل قيادته، ويعرف جيدا الخيوط المتحكمة في شبكة الأحلاف القبلية، لذلك نلاحظ أنه لم يتسرع في خوض الحروب القبلية الصغيرة تبعا لطريقة والده، وفضل أن يكون انطلاق عمله كقائد مخزني بمنطقة الحوز، لإشعار القواد التقليديين الكبار، مثل القائد الرحماني، والقائد المتوكي، والقائد الكندافي، أن قيادة كَلاوة، لا تقل قوة وحضورا في الميدان عن قياداتهم().
ويظهر أن السعد، لاحظ الفقيه المدني الكَلاوي المزواري، بعين القدر الراضية. ذلك أن السلطان مولاي الحسن، قام في أواخر سنة 1310 ﻫ/ 1893 م ومطلع سنة 1311 ﻫ/ 1893 م، بزيارة إلى ناحية تافيلالت، وقد استغرقت هذه الرحلة عدة شهور() "وكان رجوعه إلى مراكش على طريق الفايجة، ولما وصل إلى ثنية الكَلاوي أصاب الناس ثلج كبير، وبرد شديد تألم منه حتى السلطان"() وقد تدخل المدني الكَلاوي وأخيه التهامي لإسعاف الركب السلطاني وجيشه، ويذكر صاحب "الإعلام" أن الفقيه المدني الكَلاوي "أظهر من القدرة على القيام بالمحلة في كل ما تحتاج إليه ما لم يكن يترقب منه، مما فيه غناء ومقنع، فحصلت له بذلك التفاتة خاصة من جانب السلطان، ومن هناك طنت حصاته وطار له طائر الاشتهار..." ().
ويتضح من خلال إشارة صاحب الإعلام، أن الفقيه المدني الكَلاوي كان بذكائه السياسي، وحسه الفطري، يحسن دفع النهزة إلى غايتها، ويعرف كيف يركب مطايا السعد عند اعتراضها، ذلك أنه جند كل رجال قبيلته وإمكاناتها المادية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رجال وعتاد بالمحلة السلطانية. ولعل ما يدل على ارتياح السلطان مولاي الحسن لما قام به، القائد المدني الكَلاوي أنه استجاب لقبول ضيافة آل الكَلاوي بقصبة تلوات، وقد تفانى المدني وأخوه التهامي الكَلاوي، في توفير كل لوازم الراحة والضيافة اللائقتين بالسلطان وحاشيته من رجال المخزن، وقد ظل السلطان بقصبة تلوات حوالي خمسة وعشرين يوما().
استغل القائد المدني الكَلاوي، وجود السلطان ورجال مخزنه بقصبة تلوات لتوطيد علائقه بالرجال النافذين في البلاط السلطاني، خاصة الرجل القوي الحاجب أحمد بن موسى البخاري، وقد ألبس المدني الكَلاوي، حللا من الرضى الملكي، ولهجت الألسن بجليل إحسانه لكل رجال المخزن الحسنى.
من عادة وتقاليد سلاطين الدولة العلوية، مكافأة أصحاب الخدمات الجليلة على عملهم، وفي هذا الإطار، اقتضى نظر السلطان مولاي الحسن، قبل مغادرته قصبة تلوات مجازاة المدني الكَلاوي على ما قام به، فسلمه ظهير تعيينه خليفة للسلطان بالإيالات الجنوبية من قصبة تلوات بالأطلس الكبير إلى محاميد الغزلان على مشارف الصحراء، بما في ذلك بلاد تافيلالت ودادس وتودغة، ووضع رهن إشارته مدفعين من صنع ألماني، وعدة صناديق من الذخيرة الحربية().
وقد كشف القائد المدني الكَلاوي عن براعة في توظيف هذا التحول السياسي الذي طرأ على وضعه، بترقيته من منصب قائد مخزني عادي، إلى منصب خليفة للسلطان في عدة أيالات بالجنوب المغربي، وتمكينه من وسائل الغلبة (مدفعان) لإخضاع القبائل المشاغبة، والتي سبق لها أن عارضت والده.
لم تمض على تعيين المدني الكَلاوي خليفة للسلطان على المناطق الجنوبية، حتى توفي السلطان مولاي الحسن في أواخر سنة 1311 ﻫ/ 1894 م، فانتفضت القبائل وثارت ضد قوادها، وعمت "السيبة" جل المناطق المحسوبة على آل الكَلاوي، فكان على المدني الكَلاوي، أن يواجه الوضع، ويخض من شوكة القبائل السائبة، فبدأ بقبائل وادي تيدلي، القريبة جدا من قصبة تلوات، فتغلب عليها وشرد كل من يشتم فيه رائحة التشغيب، وقطع رأس ولد بن حليمة، شيخ قبائل الوادي المالح، "وزين مدخل قصبة تلوات" ببضعة رؤوس لأعيان قبائل المنطقة() ثم توجه بقوته جنوبا لفك الحصار عن أخيه، حمادي المزواري بقصبة تاوريرت حاضرة أهل ورزازات().
كانت المشكلة الكبيرة التي تواجه القائد الكَلاوي، وهو يحاول إخضاع القبائل "السائبة" هي شبكة الأحلاف القبلية التي ترتبط بها قبائل آيت ووازكيت القوية، وأدرك بخبرته وحدسه السياسي، ومعرفته العميقة بقضايا قبائل إيالاته أنه من الصعب عليه، منازلة قبائل آيت ووازكيت، وهي أشد ما تكون انتظاما في هذه الشبكة المتداخلة من الأحلاف القبلية، لذلك عول على تفكيك شبكة الأحلاف القبلية، قبل المواجهة العسكرية، وفي هذا الإطار عمد إلى عقد مصاهرة مع شيخ قبائل آيت زينب علي بن محمد نايت بن حدو().
وتعتبر قبيلة آيت زينب في ذلك الإبان أقوى قبيلة في اتحادية آيت ووازكيت، ويتضح من خلال التطورات التي عرفتها علاقة "المصاهرة" بين المدني الكَلاوي والشيخ علي نايت بن حدو، أن المدني الكَلاوي، اعتمد هذا الأسلوب، وهو أسلوب معروف، عند الأسر القائدية التقليدية للتغلب على المشاكل السياسية، بهدف الكيد لأعداء الأمس، إذ لم تمض إلا فترة قصيرة على هذه المصاهرة، حتى قام المدني الكَلاوي باعتقال صهره الشيخ علي نايت بن حدو، ووضع الأغلال في يديه ورجليه إمعانا في إذلاله وقهره.
حاول المدني الكَلاوي، أن يشعر الشيخ علي بأنه أصبح في قبضته وتحت رحمته فأمر بفك أغلاله، وفتح باب النقاش معه لإقناعه بأن من مصلحته الخضوع للمخزن، الذي يمثله القائد والخليفة المدني الكَلاوي، إلا أن النقاش خرج عن نطاقه وتحول إلى شتائم مقذعة، وجهها الشيخ علي نايت بن حدو إلى المدني الكَلاوي، وقد نجح الشيخ علي من الانفلات من السجن والهروب إلى زاوية تامكروت بدرعة للاستحرام بها.
جدد هروب الشيخ على نايت بن حدو، روح المقاومة لآل الكَلاوي، في صفوف قبائل آيت ووازكيت، وعولت أكثر من أي وقت مضى، على التصدي لنفوذ آل الكَلاوي في المجالات المحيطة بورزازات، فركز لصوص قبائل آيت ووازكيت على الحركة التجارية، فكانوا يعترضون القوافل، على الطريق الرابط بين ورزازات وتلوات().
ويظهر أن هذه العمليات، ضد القوافل التجارية، حركت مشاعر الشيخ علي وهو في مأمنه بزاوية تامكروت الناصرية، فعاد سرا إلى قصبة تمداخت إلا أن عيون المدن الكَلاوي، كانوا يتعقبون حركاته، فتوجهت قوة عسكرية بقيادة التهامي الكَلاوي، وحاصرت قصبة تمداخت، ولم تتمكن مدافع كروب الألمانية، من تهديم أسوار هذه القصبة الحصينة، فسرب التهامي الكَلاوي الأموال والوعود المعسولة إلى أحد عبيد الشيخ علي، فترصده إلى أن خرج من القصبة لملاحظة الأضرار التي لحقت بالأسوار، فأغلق دونه الباب، فاعتقلته قوة الكَلاوي وقطع رأسه() وبمقتل الشيخ علي نايت ابن حدو انهار حلف قبائل آيت ووازكيت وأصبح طريق الجنوب مفتوحا أمام القائد المدني الكَلاوي المزواري.
II - علائق آل الكَلاوي بالأسر القائدية بوادي درعة
كانت العائلات القائدية، وشيوخ وأعيان القبائل بوادي درعة، يراقبون من بعيد، مجمل هذه التطورات التي كانت تجري بمنطقة ورزازات. وكانت كل عائلة من الأسر القائدية بدرعة (قيادة التمنوكالي، قيادة اليحياوي، مشيخة المزواريين) تبني حساباتها المستقبلية، للتعامل مع أهل الكَلاوي على عاملي الربح والخسارة السياسيين، محليا وجهويا في تعاملها مع قواد هذه الأسرة، وتراوحت مواقف هذه الأسر، ما بين المعارضة الصريحة، والمداهنة المشوبة بالحذر والترقب.
1 يتبع...