الصفحة العربية لموقع تنغيرTinghir.ma
بإعلانه عن تعيين13 مسؤولا على 13 عمالة جديدة، يكون الملك محمد السادس قد دشن ميلاد الجيل الخامس من العمالات بالمغرب. فمنذ الاستقلال إلى اليوم عرف المغرب أربعة أجيال من العمالات: الجيل الأول تم إحداثه بعد الاستقلال مباشرة (البيضاء والرباط والراشيدية مثلا)، والجيل الثاني تم خلقه بعد عام 1967 (الجديدة، سطات، خريبكَة مثلا)، والجيل الثالث ولد بين 1973 و1979 بإضافة 17 عمالة أخرى (أزيلال، بنسليمان، خنيفرة، طان طان، تاونات.. إلخ)، والجيل الرابع تم خلقه بعد 1980 (إفران، العرائش، سيدي قاسم، أوسرد...)ليصل العدد حاليا إلى 82 عمالة وإقليما
خلال عشرة أعوام لم يكشف الملك محمد السادس عن كيفية تمثله للوعاء الترابي، فالعمالات والأقاليم التي تركها والده المرحوم الحسن الثاني لم يحدث عليها أي تغيير، اللهم التصحيح الذي قام به الملك بالدار البيضاء بعد أحداث 16 ماي بإحداث إقليمي النواصر ومديونة (شتنبر 2003) وخلق عمالة المضيق (يونيو 2005) لتجفيف منابع الإسبان بسبتة (تهريب، مخدرات) ولتكون المضيق قاعدة خلفية للميناء المتوسطي طنجة ميد. لكن القرار المتخذ بالقصر الملكي بفاس يوم 22 يناير 2009 المتضمن موافقة الملك على إحداث 13 عمالة دفعة واحدة، يعتبر إشهارا للمعايير التي يعتمدها محمد السادس في خلق الوحدات الترابية، وهي أربعة يمكن أن نبوب من خلالها كل صنف من العمالات المحدثة. لكن قبل تفصيل هذه المعايير يتعين الإشارة إلى أن المغرب لأول مرة لم يعتمد على المعيار الأمني الضيق لخلق عمالة، بالنظر إلى أن كل الوحداث المحدثة مؤخرا تندرج في سياق تلبية مطلب لطالما عبر عنه سكان المناطق المعنية بالضغط والاحتجاج والمراسلة والالتماس و«لمزاوكَة» دون أن تتم الاستجابة لهم.
بعد هذا التوضيح يحق لنا سرد المعايير المعتمدة في خلق العمالات الأخيرة:
أولا: المعيار الديمغرافي
هذا المعيار يصدق على برشيد والفقيه بنصالح وسيدي سليمان وسيدي بنور والدريوش واليوسفية وجرسيف، إذ أحدثت هذه العمالات في أقاليم ذات كثافة هامة تتجاوز ساكنة كل إقليم 700 ألف نسمة، مما استدعى تقطيع تراب القنيطرة والناظور وأسفي وتازة والجديدة لتخفيف الضغط على مركز الإقليم. (مثلا إقليم القنيطرة يضم 1167301 نسمة وإقليم سطات يضم 956904 نسمة وإقليم الجديدة يضم 1103032 نسمة والناظور 728634 نسمة وبني ملال يضم 946018 نسمة).
ثانيا: المعيار الترابي
نصنف ضمنه قرار إحداث عمالة تينغير وطرفاية، إذ أمام شساعة كل من إقليم ورزازات (10 في المائة من مساحة المغرب) وشساعة ولاية العيون (20 في المائة من المساحة الوطنية)، كان صعبا على السكان التنقل إلى الإدارات لقضاء أغراضهم من جهة، وكان صعبا على الدولة تحمل كلفة تنقل موظفيها ومصالحها إلى هذه المناطق بدليل أن تنغير وبومالن دادس وامسمرير ظلت بمعزل عن متابعة والي أكادير لانتفاضاتها الأخيرة بحكم أن تنقل الوالي من أكادير إلى امسمرير مثلا يتطلب سبع ساعات.. ونفس الشيء يصدق على طرفاية (رغم أن عدد سكانها لايتجاوز 5000 نسمة) التي لم تجن من خلال ضمها إلى تراب العيون سوى ترمل الميناء والإهمال والنسيان، إلى أن تقرر تحويلها إلى منطقة جذب لمنافسة جزر الكناري (انظر التفاصيل في العدد 302) فضلا عن ذلك فإحداث عمالة طرفاية هو تصالح مع المنطقة التي كانت مقرا لأول عمالة بالجنوب عقب استقلال المغرب واسترجاع المنطقة من اسبانيا عام 1958 حيث كان يمتد نفوذها إلى طانطان.
ثالثا: المعيار السياسي
صنفنا فيه عمالة سيدي إفني ووزان، إذ تم إحداث هاتين العمالتين لتجنب القلاقل السياسية، خاصة وأن أعيان قبائل أيت باعمران ما فتئوا يعبئون الشارع للضغط على السلطة المركزية لتلبية هذه المطالب. كما أن شرفاء وزان ظلوا منذ عهد الحسن الثاني يطالبون بوجوب فصلهم عن سيدي قاسم.
رابعا: معيار اللوبي
نقصد بـ «اللوبي» هنا المصطلح المتداول في العلوم السياسية كجماعة ضاغطة لجلب منفعة لقطاع أو منطقة ما. وهو ما يصدق على قرار إحداث عمالة الرحامنة وميدلت. إذ نجحت التحركات التي قادها فؤاد عالي الهمة (ابن بنجرير) وحسن أوريد (ابن ميدلت) في إقناع أصحاب القرار بأحقية سكان الرحامنة والأطلس المتوسط في التوفر على عمالة لإنصافهم.
وأيا كان المعيار المعتمد، فإن الملاحظ أن الملك قرر اختيار مراكز حضرية لا تشهد نموا صناعيا وتجاريا مهما (باستثناء برشيد) لتكون مقر العمالة الجديدة (chef-lieu) في أفق خلق وظائف تنموية بالمنطقة المعنية. بالنظر إلى أن كل عمالة تحدث، فإنها تؤدي إلى إحداث 500 منصب في المعدل (إداريين، تقنيين، أمنيين). وإذا اعتمدنا 5000 درهم كمعدل في الأجور (الأجر الخام) فسنحصل على مبلغ خمسة ملايين درهم سيتم ضخها شهريا في الاقتصاد المحلي بالمدن المحظوظة. فضلا عن ذلك، فكل وظيفة محدثة بالعمالة تؤدي إلى خلق منصبين (حلاق، تاجر.. إلخ) دون احتساب ما سيرافق ذلك من استثمارات عمومية لكراء أو بناء المقرات العمومية لإيواء المصالح الإدارية (قباضة، قيادات، مخافر الشرطة، المحافظة العقارية، التسجيل، التعليم، الصحة.. إلخ). ثم وهذا هو الأهم، إن كل عمالة جديدة تدرج في ميزانية الدولة للحصول على «حقها» في ميزانية الطرق والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمدارس.. إلخ... أي أن هذه العمالات الجديدة سوف تحمل في جيناتها وجوب إدماجها في أجندة ميزانية 2010 وما يليها أثناء توزيع الموارد الحكومية، ولو بالنزر القليل. وهذا ما يمكن استخلاصه من عدة تجارب، وحسبنا هنا الإشارة فقط إلى نموذج الخميسات.. إذ لما تم خلق هذا الإقليم انتقل عدد الموظفين العموميين بالخميسات من 4464 موظف عام 1971 إلى 13976 موظف عمومي عام 1983، أي ما يمثل ربع مناصب الشغل ككل الموجودة بالمدينة. وهذا ما يراهن عليه الملك من خلال قراره بإحداث 13 عمالة، إذ رغم أن معظم هذه العمالات ستكون بمثابة «مدن إدارية» أو «مدن الدولة»، إلا أن ذلك سيسمح بضخ بضع ليترات من الزيوت في محرك الاقتصاد المحلي بكل منطقة
جريدة الوطن الآن383 .